السودان بين مطرقة التعبئة وسندان التحقيق الأممي
البرهان يعلن التعبئة العامة بالتزامن مع تحرك دولي بشأن مجاعة الفاشر.

في خطوة تعكس حجم المأزق الذي وصلت إليه الأوضاع في السودان، أعلن رئيس مجلس السيادة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، التعبئة العامة. جاء الإعلان من قلب ولاية الجزيرة، التي لم تبرد أرضها بعد من دماء مجزرة قرية ود النورة، في مشهد يشي بأن البلاد مقبلة على تصعيد جديد، وربما أكثر دموية.
رسائل ميدانية
زيارة البرهان لمنطقة السريحة لم تكن مجرد جولة تفقدية، بل حملت دلالات سياسية وعسكرية عميقة. فمن خلال وقوفه بين القوات والنازحين، حاول الرجل إيصال رسالة مزدوجة: الأولى للداخل، بأن الدولة لم تسقط وأن القوات المسلحة ماضية في القتال، والثانية للخارج، بأن القيادة الحالية هي من يمسك بزمام الأمور على الأرض. لكنها في الوقت نفسه، كما يرى مراقبون، اعتراف ضمني بصعوبة حسم المعركة بالوسائل التقليدية وحدها.
ماذا تعني التعبئة؟
إعلان التعبئة العامة ليس مجرد قرار عسكري، بل هو تحول استراتيجي قد يجر السودان إلى حرب أهلية شاملة. يهدف الإجراء إلى رفد الجيش بمقاتلين جدد، لكنه يفتح الباب على مصراعيه أمام تسليح المدنيين خارج سيطرة الدولة بشكل كامل، وهو ما قد يعقد أي حلول سياسية مستقبلية. إنها معادلة صعبة، فالدولة تسعى لحماية نفسها، لكن الثمن قد يكون تمزيق النسيج الاجتماعي الهش أصلاً.
تحرك دولي
وبينما كانت طبول الحرب تُقرع في الجزيرة، كانت أروقة الأمم المتحدة في جنيف تشهد تحركًا ذا طبيعة مختلفة تمامًا. فقد أقر مجلس حقوق الإنسان بالإجماع تشكيل بعثة لتقصي الحقائق في الانتهاكات المروعة بمدينة الفاشر. هذا القرار، رغم أنه قد يبدو متأخرًا للبعض، يضع جرائم الحرب المرتكبة في السودان تحت المجهر الدولي، ويمثل ضغطًا مباشرًا على طرفي النزاع.
اعتراف بالمجاعة
الأخطر في القرار الأممي هو الاعتراف الرسمي بوجود مجاعة في الفاشر وكادوقلي. لم تعد المسألة مجرد “أزمة غذاء” أو “نقص في المؤن”، بل هي كارثة إنسانية مكتملة الأركان. يربط التقرير بشكل مباشر بين استمرار النزاع وتفاقم الجوع، مما يحمّل الأطراف المتحاربة مسؤولية قانونية وأخلاقية عن تجويع المدنيين. إنه واقع مؤلم، حيث يموت الناس ليس فقط بالرصاص، بل بالجوع أيضًا.
مشهد معقد
وهكذا، يبدو المشهد السوداني أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى. في الداخل، دعوات للتسلح والتعبئة قد تطيل أمد الحرب وتزيد من كلفتها البشرية. وفي الخارج، تحقيقات دولية وضغوط أممية قد لا تغير الواقع على الأرض سريعًا، لكنها توثق الجرائم ليوم الحساب. يقف السودان اليوم عند مفترق طرق خطير، بين منطق القوة الذي يفرضه البرهان، ومنطق القانون الذي يحاول المجتمع الدولي ترسيخه، وفي المنتصف شعب يدفع الثمن غاليًا.









