اقتصاد

الدولار الأمريكي يكسر التوقعات ويهيمن على سوق العملات العالمية

محررة اقتصادية في منصة النيل نيوز، متخصصة في رصد المؤشرات الاقتصادية وصياغتها بلغة واضحة للجمهور

في مفاجأة خالفت توقعات المتشائمين، أظهر أحدث مسح لسوق العملات أن هيمنة الدولار الأمريكي لم تتأثر بالسياسات التجارية الأخيرة، بل ازدادت رسوخًا. التقرير الصادر عن بنك التسويات الدولية يكشف عن واقع جديد لسوق الصرف العالمي، حيث يثبت الدولار قوته رغم التقلبات السياسية والاقتصادية.

أرقام تكشف الواقع

على عكس الاعتقاد السائد بأن وضع الدولار الأمريكي قد تراجع، أثبتت البيانات أنه ليس فقط راسخًا في النظام المالي العالمي، بل إن استخدامه أصبح أوسع انتشارًا. مسح بنك التسويات الدولية، الذي يُجرى كل ثلاث سنوات ويُعتبر المصدر الأكثر شمولية لحجم وهيكل السوق، أظهر أن حصة الدولار في جميع الصفقات تجاوزت 89.2%، مسجلة زيادة طفيفة عن نتيجة عام 2022.

في المقابل، شهدت العملات الرئيسية الأخرى أداءً متباينًا. انخفضت حصة اليورو بشكل طفيف لتصل إلى 28.9%، بينما حافظ الين الياباني على مركزه الثالث دون تغيير يُذكر. اللافت في هذه النتائج أنها تأتي من مسح أُجري في أبريل، وهو شهر شهد تصعيدًا في السياسات الحمائية من قبل إدارة الرئيس دونالد ترمب، التي سعت لقلب موازين التجارة العالمية عبر فرض رسوم جمركية باهظة.

خلفيات الهيمنة المستمرة

دفعت التقلبات الحادة في الأسواق، التي شهدت انخفاضًا للدولار وارتفاعًا في عوائد السندات، بعض المستثمرين إلى التكهن ببداية نهاية هيمنة الدولار الطويلة. لكن الأرقام الحالية لا تدعم هذا الطرح، وتثبت مرة أخرى أن المخاوف من انهيار الدولار، التي ظهرت مع تزايد العجز وظهور اليورو وأزمة الرهن العقاري، كانت في غير محلها.

أحد العوامل الرئيسية التي تدعم هذه الهيمنة هو الحجم الهائل لسوق الصرف، الذي وصل حجم تداوله اليومي إلى 9.6 تريليون دولار، بزيادة 28% عما كان عليه قبل ثلاث سنوات. هذا الحجم يجعل أي محاولة منظمة لإضعاف العملات الرئيسية، على غرار اتفاقية بلازا التاريخية، معركة شبه مستحيلة في ظل الظروف الحالية.

منافسون على الساحة الدولية

لا يمكن إغفال أن قوة الدولار الأمريكي تستمد جزءًا منها من ضعف المنافسين. فبينما يظل الدولار محور التجارة العالمية، وسندات الخزانة الأمريكية الملاذ الآمن الرئيسي، فإن أوجه القصور لدى الاقتصادات الكبرى الأخرى تحد من قدرتها على تقديم بديل حقيقي. هذا الوضع يمنح واشنطن قدرة فريدة على الاقتراض على نطاق واسع يصعب على أي دولة أخرى مجاراته.

في هذا السياق، يبرز اليوان الصيني كفائز آخر في تقرير بنك التسويات الدولية. فقد ارتفعت حصة اليوان في المعاملات إلى 8.5%، مقارنة بـ 7% في عام 2022، ليقترب من حصة الجنيه الإسترليني التي تراجعت إلى 10.2%. هذا التقدم يعكس جهود بكين المستمرة لتعزيز مكانة عملتها عالميًا، على الرغم من أن لندن لا تزال مركز التداول المالي الأول عالميًا بحصة 38%.

طموح اليوان.. والواقع

مع ذلك، يجب التعامل مع صعود اليوان بحذر. يرى محللون أن هذه الأرقام قد تكون متأثرة بضخ المستثمرين المحليين أموالهم في أسهم هونغ كونغ. وتكشف بيانات أخرى صورة أكثر واقعية، حيث بلغت حصة اليوان من معاملات الدفع العالمية المسجلة لدى جمعية الاتصالات المالية العالمية بين البنوك (سويفت) 2.9% فقط، مما يشير إلى أن الرغبة الدولية في استخدام اليوان أو الاحتفاظ بأصول مقومة به لا تزال محدودة.

تسعى بكين إلى إقامة نظام مالي عالمي جديد متعدد الأقطاب، في خطوة تهدف بوضوح إلى كسر احتكار الدولار. ورغم أن هذا الطموح يبدو منطقيًا على المدى البعيد، إلا أن اليوان الصيني لا يزال أمامه طريق طويل ليصبح منافسًا حقيقيًا. في النهاية، تؤكد الأرقام أن هيمنة الدولار لا تزال حقيقة واقعة، وأن الحديث عن انهياره يظل سابقًا لأوانه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *