عرب وعالم

البرهان والنزوح: سردية الأمن وواقع الفظائع في السودان

البرهان يبرر نزوح السودانيين.. والأمم المتحدة تحذر من فظائع الفاشر

مراسل في قسم عرب وعالم بمنصة النيل نيوز

في خضم الصراع الدائر في السودان، خرج قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، بتصريحات لافتة حول حركة النزوح الجماعي للمواطنين، محاولًا رسم صورة مغايرة للواقع الذي يصفه المجتمع الدولي. تصريحاته، التي جاءت في وقت تتزايد فيه التحذيرات الأممية من تفاقم الأوضاع الإنسانية، تضعنا أمام تساؤلات حول الدوافع الحقيقية وراء هذا السرد، وتثير فينا شعورًا بالتعاطف مع المدنيين العالقين.

أكد البرهان أن النازحين قسراً من مدن مثل الفاشر وبارا والنهود، لم يتجهوا نحو مناطق سيطرة قوات الدعم السريع في دارفور أو غرب كردفان، بل اختاروا السير آلاف الكيلومترات نحو مناطق خاضعة لسيطرة الدولة والقوات الحكومية. هذه الرواية، التي تشير إلى أن الأمن ومقومات الحياة متوفرة فقط في مناطق الجيش، تبدو محاولة واضحة لتعزيز شرعية القوات المسلحة السودانية وتصويرها كالملاذ الآمن الوحيد، في ظل اتهامات متبادلة بالانتهاكات.

اختيار الأمن

يُرجّح مراقبون أن هذه التصريحات تهدف إلى تفنيد مزاعم الدعم السريع وبعض التقارير الدولية حول معاناة المدنيين في مناطق سيطرة الجيش، وربما لتبرير بعض العمليات العسكرية التي أدت إلى موجات النزوح. إنها محاولة لقلب الطاولة، وتقديم النزوح ليس كهروب من الصراع بل كـ"اختيار" واعٍ للبحث عن الأمان تحت مظلة الجيش، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى حرية هذا "الاختيار" في ظل ظروف الحرب القاسية التي لا تترك مجالًا كبيرًا للتردد.

على النقيض تمامًا، أعرب الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، عن قلقه البالغ إزاء التقارير المتواترة عن الفظائع الجماعية والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في الفاشر، وتصاعد العنف في كردفان. هذا التباين الصارخ بين الروايتين يعكس عمق الأزمة، حيث تتحدث القيادة العسكرية عن "الأمن"، بينما تشير المنظمة الدولية إلى "فظائع جماعية"، مما يبرز حجم التحدي الإنساني والأخلاقي الذي يواجهه السودان.

قلق أممي

جوتيريش لم يكتفِ بالتعبير عن القلق، بل شدد على ضرورة تدفق المساعدات الإنسانية بسرعة إلى المدنيين، ودعا إلى وقف فوري للأعمال العدائية. هذه الدعوة المتكررة، التي غالبًا ما تصطدم بصخرة الصراع على الأرض، تُظهر حجم اليأس الذي يشعر به المجتمع الدولي تجاه قدرته على إحداث تغيير ملموس، بينما يستمر المدنيون في دفع الثمن الأكبر، وهو أمر يدمي القلب حقًا ويجعلنا نتساءل عن جدوى كل هذه النداءات.

وفي محاولة لدفع عجلة السلام، دعا الأمين العام القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع إلى التعاون مع مبعوثه الشخصي إلى السودان، رمطان لعمامرة، واتخاذ خطوات سريعة وملموسة نحو تسوية تفاوضية. إلا أن هذه الدعوات، رغم أهميتها، تبدو وكأنها تصطدم بجدار من عدم الثقة والتصلب في المواقف بين الأطراف المتحاربة، مما يجعل مهمة لعمامرة شاقة للغاية وتتطلب صبرًا وحكمة استثنائيين.

تحديات السلام

لم يغفل جوتيريش الإشارة إلى تزايد انعدام الأمن في منطقة الساحل ككل، مسلطًا الضوء على حالات مشابهة في مالي وجنوب السودان والصومال وليبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية. هذا الربط يؤكد أن الأزمة السودانية ليست معزولة، بل هي جزء من نطاق أوسع من عدم الاستقرار الإقليمي، مما يزيد من تعقيد الحلول ويتطلب مقاربة شاملة تتجاوز حدود السودان، وتأخذ في الاعتبار تداخل المصالح والصراعات.

إن التناقض بين تصريحات البرهان التي تصف النزوح كـ"اختيار" نحو الأمان، وبين تحذيرات الأمم المتحدة من "فظائع جماعية" و"انتهاكات جسيمة"، يكشف عن فجوة عميقة بين الرواية الرسمية والواقع الميداني. هذه الفجوة لا تزيد إلا من معاناة المدنيين الذين يجدون أنفسهم بين مطرقة الحرب وسندان الدعاية، حيث لا يملكون سوى خيارات محدودة، غالبًا ما تكون بين السيئ والأسوأ. إنهم بشر يبحثون عن بصيص أمل في عالم مظلم، ويستحقون منا كل الاهتمام والتعاطف.

بحسب محللين سياسيين، فإن تصريحات البرهان قد تكون محاولة لإعادة تشكيل الرأي العام الداخلي والخارجي، وتوجيه اللوم بشكل غير مباشر إلى الدعم السريع بشأن الأوضاع الإنسانية في مناطق سيطرتها. في المقابل، يرى البعض أن الأمم المتحدة، رغم جهودها، لا تزال تواجه تحديات جمة في إيصال المساعدات أو فرض حلول سياسية على أطراف لا تزال تؤمن بالحل العسكري، مما يعقد المشهد أكثر فأكثر.

يبقى السودان عالقًا في دوامة من الصراع، حيث تتصارع الروايات بقدر ما تتصارع الجيوش على الأرض. وبينما تتزايد الدعوات الدولية للسلام والتعاون، يظل مصير الملايين من النازحين معلقًا، في انتظار حل سياسي ينهي معاناتهم ويعيد الاستقرار إلى بلد مزقته الحرب. إنها مأساة إنسانية تتطلب أكثر من مجرد تصريحات أو دعوات، بل إرادة حقيقية لإنهاء العنف ووضع حد لهذه الدائرة المفرغة من الألم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *