الانكماش في الصين.. مؤشرات مقلقة لأطول موجة تراجع أسعار

تتجه الصين نحو تسجيل أطول فترة من انخفاض الأسعار منذ بدء إصلاحاتها السوقية قبل عقود، حيث كشفت بيانات شهر سبتمبر عن استمرار الضغوط الانكماشية على ثاني أكبر اقتصاد في العالم. ورغم بعض المؤشرات الإيجابية المحدودة، يعكس الوضع العام تحديات هيكلية عميقة تواجه بكين في مرحلة ما بعد جائحة كورونا.
أرقام رسمية تكشف عمق الأزمة
أظهرت البيانات الصادرة عن مكتب الإحصاء الوطني الصيني أن أسعار المنتجات عند بوابة المصنع، وهو مقياس رئيسي للتضخم الصناعي، انخفضت بنسبة 2.3% على أساس سنوي. يمثل هذا التراجع الشهر السادس والثلاثين على التوالي من الانخفاض، مما يؤكد حالة الركود التي يعاني منها القطاع الصناعي، وإن كان معدل التراجع قد تباطأ للشهر الثاني تواليًا.
على صعيد أسعار المستهلكين، سجل المؤشر الرئيسي تراجعًا بنسبة 0.3%، متأثرًا بشكل كبير بانخفاض أسعار المواد الغذائية. لكن في المقابل، ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين الأساسي، الذي يستبعد أسعار الغذاء والطاقة المتقلبة، إلى 1%، وهو أعلى مستوى له منذ 19 شهرًا، مما يشير إلى أن الطلب في قطاعات أخرى غير السلع الأساسية قد بدأ في التعافي ببطء.
اختلال هيكلي بين العرض والطلب
يعكس الانكماش المستمر في الاقتصاد الصيني اختلالًا واضحًا بين العرض والطلب. فمن ناحية، يعاني السوق من ضعف حاد في الطلب الاستهلاكي وثقة متدنية لدى الأسر، تفاقمت بسبب أزمة انهيار سوق الإسكان التي قضت على جزء كبير من ثروات المواطنين. ومن ناحية أخرى، أدت سنوات من الاستثمار الموجه من الدولة إلى فائض الإنتاج في العديد من الصناعات، مما خلق تخمة في المعروض دفعت الشركات إلى خوض حروب أسعار شرسة للحفاظ على حصصها السوقية.
ورغم محاولات الحكومة التدخل لكبح هذه المنافسة، استمرت الضغوط الانكماشية. ويُعد “الانكماش الضمني للناتج المحلي الإجمالي”، وهو أوسع مقياس للأسعار في الاقتصاد، خير دليل على ذلك، حيث سجل تراجعًا لتسعة فصول متتالية، في أطول فترة انخفاض منذ بدء تسجيل البيانات الفصلية عام 1992، وهو ما يثقل كاهل الشركات ويضغط على أرباحها وقدرتها على التوسع.
تداعيات واسعة وتوقعات حذرة
كان رد فعل الأسواق على هذه البيانات الاقتصادية محدودًا، مع ارتفاع طفيف في مؤشرات الأسهم المحلية. وفي هذا السياق، خفضت الحكومة الصينية هدفها الرسمي للتضخم إلى نحو 2% لعام 2025، وهو أدنى مستوى منذ أكثر من عقدين، في اعتراف ضمني بأن عودة الأسعار إلى النمو القوي قد تستغرق وقتًا طويلًا.
تترقب الأسواق الآن صدور بيانات النشاط الاقتصادي للربع الثالث في 20 أكتوبر، وسط توقعات المحللين في استطلاع أجرته وكالة “بلومبرغ” بتباطؤ وتيرة النمو مقارنة بالنصف الأول. ومع ذلك، يرى خبراء أن الأداء القوي نسبيًا في الربعين الأولين قد يمكّن الصين من تحقيق هدف نمو الاقتصاد الصيني الرسمي البالغ 5%، مما يقلل من احتمالية طرح حوافز مالية ضخمة جديدة في المدى القريب.









