الاقتصاد المصري يفتح أبوابه.. رسائل ثقة من فرانكفورت للمستثمرين الألمان

في قلب مدينة فرانكفورت، العاصمة المالية لألمانيا، انطلقت رسالة مصرية واضحة تحمل في طياتها دعوة صريحة وأرقامًا واعدة. لم يكن حديث نائب وزير المالية، أحمد كجوك، مجرد عرض لبيانات اقتصادية، بل كان بمثابة حوار مفتوح يرسم ملامح مرحلة جديدة من الشراكة والثقة مع مجتمع الأعمال الألماني.
أمام حشد من ممثلي الشركات الألمانية الكبرى والمهتمين بفرص الاستثمار في مصر، وبحضور المهندس أحمد السويدي رئيس الغرفة، تحول اللقاء الذي نظمته الغرفة الألمانية العربية للصناعة والتجارة إلى منصة لعرض قصة نجاح اقتصاد بدأ يستعيد عافيته، ويطرق أبواب المستقبل بخطى واثقة.
شراكة الثقة.. دعوة مفتوحة من القاهرة
لم يأتِ كجوك بوعود فضفاضة، بل بلهجة الواثق الذي يملك الأدلة. خاطب الحضور قائلًا: «ندعوكم لاستثمار الفرص الاقتصادية المتنوعة والحقيقية بمصر»، مؤكدًا أن الهدف يتجاوز مجرد جذب الأموال، ليصل إلى بناء شراكة استراتيجية حقيقية تجعل من مصر مركزًا إقليميًا للإنتاج والتصدير للشركات الألمانية، مستفيدة من موقعها الفريد وقدراتها الكامنة.
هذه الدعوة تستند إلى واقع ملموس، حيث أشار إلى أن القطاع الخاص لم يعد مجرد لاعب ثانوي، بل أصبح شريكًا أساسيًا يستحوذ على 65% من إجمالي الاستثمارات. هذه النسبة لا تعكس مجرد رقم، بل تروي قصة تجاوب سريع ومرن من المستثمرين مع حزمة الإصلاحات الاقتصادية التي تبنتها الدولة، والتي جعلت المناخ العام أكثر جاذبية وتنافسية.
مؤشرات التعافي بالأرقام
لغة الأرقام كانت هي الأعلى صوتًا في اللقاء، حيث استعرض نائب الوزير مجموعة من المؤشرات التي تعكس قوة الدفع في الاقتصاد المصري. هذه الأرقام لا تمثل مجرد إحصائيات جافة، بل هي نبض حقيقي لحراك اقتصادي متنوع بدأ يؤتي ثماره، ومن أبرزها:
- الاستثمار الأجنبي المباشر: قفز إلى 8.9 مليار دولار خلال 9 أشهر فقط، بمعدل نمو لافت بلغ 13%.
- نمو قطاعي قوي: حقق قطاع السياحة نموًا بنسبة 17.6%، والصناعة 13.5%، وتكنولوجيا المعلومات 12.5%، مما يعكس تنوع محركات النمو.
- الصادرات غير النفطية: سجلت طفرة بمعدل نمو 33%، مدعومة بمبادرات المساندة التصديرية التي عززت تنافسية المنتج المصري.
- الاحتياطي النقدي: ارتفع إلى 34.9 مليار دولار بنهاية أغسطس الماضي، وهو ما يعزز قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات الخارجية.
- تحويلات المصريين بالخارج: زادت بمعدل 36.4%، لتمثل أحد أهم مصادر النقد الأجنبي ومؤشرًا على ثقة المواطنين في اقتصاد بلادهم.
إصلاحات هيكلية.. من الضرائب إلى الجمارك
أكد كجوك أن الحكومة لا تكتفي بالنتائج الإيجابية، بل تعمل بجد على استكمال مسيرة الإصلاح. وأوضح أن الإيرادات الضريبية شهدت نموًا بنسبة 35.3% خلال العام المالي الماضي، وهو ما تحقق دون فرض أي أعباء جديدة، بل عبر توسيع القاعدة الضريبية واستعادة ثقة الممولين باعتبارهم شركاء حقيقيين في التنمية.
وفيما يخص الجمارك، التي تمثل شريان التجارة، كشف عن بدء تنفيذ 29 إجراءً ضمن مبادرة التسهيلات الجمركية. الهدف واضح ومحدد: خفض ملموس في زمن وتكلفة الإفراج الجمركي، وهو مطلب طالما نادى به المستثمرون والمصنعون لتعزيز قدرتهم على المنافسة.
ولم يغفل الحديث عن الانضباط المالي، حيث حققت الموازنة فائضًا أوليًا بنسبة 3.6% من الناتج المحلي، مع النزول بمعدل الدين إلى 85.6% بنهاية يونيو الماضي. هذه الأرقام، التي قد تبدو تقنية، هي الضمانة الأساسية لاستدامة النمو وخفض معدلات التضخم التي بدأت بالفعل مسارًا نزوليًا.
لم يكتفِ الوزير بالكلمة الرسمية، بل حرص على عقد لقاءات ثنائية مع ممثلي الشركات الألمانية، ليستمع مباشرة إلى التحديات ويجيب على الاستفسارات. فهل ستكون هذه الرسائل المباشرة والأرقام الواعدة كافية لترجمة الاهتمام الألماني إلى استثمارات حقيقية على أرض الواقع؟








