عرب وعالم

الاتحاد الأوروبي يدرس “عضوية مخففة” لأوكرانيا: معضلة استراتيجية بين الأمن والشرعية

مقترح أوروبي لقبول كييف بحقوق محدودة يثير مخاوف من تداعيات داخلية وخارجية على مستقبل الاتحاد

مراسل في قسم عرب وعالم بمنصة النيل نيوز

تتجه أنظار الاتحاد الأوروبي نحو قرار قد يعيد صياغة قواعد توسيعه، يتمثل في قبول أوكرانيا بعضوية محدودة الحقوق في مرحلة أولى، دون حق التصويت في قمم القادة أو الاجتماعات الوزارية الحاسمة. تهدف هذه الصيغة، التي أُطلق عليها بالفعل وصف “التوسع المخفف”، إلى تسريع دمج أوكرانيا كجزء من بنية أمنية، وربما كإطار مستقبلي للسلام. لكن هذا المسار المختصر يحمل ثمنًا باهظًا؛ فالعضوية “الرسمية” غير المكتملة تهدد بخلق أعضاء من درجتين، مما يوتر التماسك الداخلي للاتحاد. في عدد من العواصم الأوروبية، لا يقل القلق عن ذلك، فإذا تغيرت قاعدة “الكل أو لا شيء”، سيفتح الباب أمام اتحاد أوروبي أكبر حجمًا، لكنه سيكون أكثر صعوبة في الإدارة. إنه معضلة استراتيجية: توحيد الصفوف في مواجهة موسكو دون المساس بشرعية المشروع الأوروبي.

عضوية على مرحلتين بحقوق منقوصة

جوهر هذا النقاش يبدو سهل الشرح لكنه معقد التنفيذ: ستحصل أوكرانيا على عضوية “رسمية” في الاتحاد الأوروبي، لكنها ستبقى خارج دائرة اتخاذ القرار الأساسية خلال فترة انتقالية. عمليًا، يعني ذلك اعترافًا سياسيًا ووصولًا تدريجيًا إلى سياسات مجتمعية معينة، مع تقييد قدرتها على التأثير في القرارات الأكثر حساسية. البنية التي تتشكل هنا هي عضوية على مراحل: الانتماء أولًا، ثم التصويت لاحقًا.

المنطق وراء هذا التوجه سياسي بحت. فعملية التوسع التقليدية تتطلب مسارًا طويلًا، فصلًا تلو الآخر، يشمل ما يصل إلى 35 مجالًا للتفاوض، مع احتمالية استخدام حق النقض في كل خطوة. في ظل ظروف الحرب الراهنة، يُنظر إلى هذا الإيقاع في بروكسل على أنه رفاهية لا يمكن تحملها. لذا، فإن التسريع، حتى لو كان “بعجلات تدريبية”، سيتيح إرسال رسالة التزام استراتيجي دون انتظار سنوات.

لكن هذه الصيغة تحمل تناقضها الخاص: إذا كانت أوكرانيا “أوروبية” بما يكفي لقبول عضويتها، فلماذا لا تكون كذلك للمشاركة الكاملة؟ وإذا لم تكن مستعدة بعد للتصويت، فكيف يمكن تبرير وصف “الدولة العضو” دون تشويه المفهوم الأساسي للعضوية؟

سابقة مقلقة: مخاطر اتحاد أوروبي متعدد الفئات

يتعايش الاتحاد الأوروبي بالفعل مع أشكال متنوعة من الترتيبات، مثل الاستثناءات الخاصة، والتعاون المعزز، والمساحات الموازية كمنطقة الاقتصاد الأوروبي، أو الاتفاقيات الثنائية. لكن “العضوية المخففة” ستكون أمرًا مختلفًا تمامًا؛ فهي ليست استثناءً قطاعيًا، بل مواطنة مؤسسية غير مكتملة. هذا هو ما يدق أجراس الإنذار في عدة عواصم، خاصة تلك التي تخشى فقدان نفوذها في اتحاد يضم 27 عضوًا، وربما أكثر في المستقبل.

الخشية الرئيسية تكمن في السابقة التي ستُحدثها هذه الخطوة. فإذا قُبلت اليوم عضوية مع تأجيل حق التصويت لأسباب جيوسياسية، فقد يطالب مرشحون آخرون غدًا بالمعاملة نفسها. وعلى النقيض، قد تجد دول داخل الاتحاد بالفعل من المفيد الدفع بصيغ غير متماثلة لفتح باب التوسعات دون دفع الثمن السياسي المتمثل في التنازل عن السلطة في المجلس أو البرلمان.

“إذا خلقت ‘شريكًا’ موجودًا داخل الاتحاد لكنه لا يشارك في اتخاذ القرار، تكون قد اخترعت درجة جديدة. وعندما تخترع درجات، سينتهي المطاف بشخص ما في الأسفل”، هكذا يلخص دبلوماسي أوروبي الأمر في حديث خاص. هذه العبارة تلخص المشكلة: لقد بُني الاتحاد الأوروبي على أساس المساواة القانونية بين الدول الأعضاء، حتى وإن كانت هناك أوزان مختلفة في الممارسة العملية. تحويل هذا التفاوت إلى قاعدة ليس مجرد تعديل فني؛ إنه تحول سياسي جوهري.

إلحاح الحرب وحسابات بروكسل الاستراتيجية

ينبع الدافع وراء هذه الصيغة من ضرورة ملحة: فقد أصبحت أوكرانيا محور الاستراتيجية الأوروبية في مواجهة روسيا، وتحول التوسع إلى أداة أمنية. منذ حصول كييف على وضع المرشح في عام 2022، كان الخطاب الأوروبي واضحًا: مستقبلها أوروبي. تكمن المشكلة في التوقيت؛ فالحرب تفرض آجالًا قصيرة، بينما يتطلب القانون الأوروبي آجالًا طويلة.

في خضم هذا الصدام، تبرز “العضوية المخففة” كحل وسط: تعزيز ارتباط أوكرانيا بالغرب دون إرباك التوازنات الداخلية للاتحاد الأوروبي على الفور. كما أنها ستعمل كرسالة ردع، فكلما كان الارتباط لا رجعة فيه، زادت صعوبة تغيير موسكو للمسار بالقوة.

لكن هذا المسار المختصر يحمل آثارًا جانبية. فقد تفسر روسيا التكامل المتسارع على أنه تصعيد سياسي، بينما يراه بعض الشركاء الأوروبيين قفزة في المجهول المؤسسي. والأخطر من ذلك، أن الاتحاد الأوروبي يخاطر بتقديم وعد سيكون جزئيًا بطبيعته: فالانضمام دون حق اتخاذ القرار قد يعزز الرمزية، لكنه قد يغذي الإحباط في كييف إذا طالت “الفترة الانتقالية”.

التوازنات المؤسسية: التصويت، حق النقض، والشرعية

التوسع ليس مجرد نقاش أخلاقي أو جيوسياسي؛ إنه إعادة توزيع للسلطة. يشكل المجلس، حيث تتخذ الدول قراراتها، والبرلمان، حيث تُقاس التمثيلية بالمقاعد، جوهر النظام. إن سحب حق التصويت من عضو، حتى لو كان مؤقتًا، يثير معضلة شرعية: هل يمكن لدولة أن تخضع لقواعد لم تشارك في صياغتها؟

هنا يظهر الصدام بين الفعالية والمبادئ. يواجه الاتحاد الأوروبي الموسع منذ سنوات مشكلة العرقلة: فالإجماع في المسائل الحساسة يسمح بحقوق نقض تشل العمل. لهذا السبب، تخشى عدة دول أن قبول أوكرانيا بحق تصويت كامل سيزيد من عدم اليقين في المجالات الحيوية. ووفقًا لهذا التفسير، ستكون “العضوية المخففة” بمثابة حاجز وقائي.

لكن هذا الحاجز الوقائي قد يحمل مخاطره أيضًا. فإذا تم تطبيع وضع العضوية دون حق التصويت، سيفتح ذلك ثغرة قانونية يصعب سدها دون صراعات مستقبلية. وإذا كان الهدف هو تجنب حقوق النقض، فإن البديل الحقيقي ليس تقليص الحقوق، بل إصلاح القواعد. التشخيص واضح: تأجيل التصويت قد يكسب وقتًا، لكنه لا يحل المشكلة الأساسية للحوكمة التي تزداد توترًا مع كل عملية توسع.

التوسع الكلاسيكي مقابل التوسع السريع: الإجحاف المقارن

منذ سقوط جدار برلين، طبق الاتحاد الأوروبي مبدأً، مع بعض الفروقات، يقضي بضرورة استيفاء المعايير السياسية والاقتصادية قبل الانضمام. إنه “عقد” التوسع: إصلاحات مقابل العضوية. الاقتراح الخاص بأوكرانيا يكسر هذا التسلسل، وبالتالي يخلق إجحافًا مقارنًا واضحًا مع المرشحين الآخرين، خاصة في دول غرب البلقان، الذين ينتظرون في غرف الانتظار منذ سنوات.

الخطر ليس نظريًا. فإذا تم اعتماد مسار سريع لأسباب استراتيجية، قد يستنتج المرشحون التقليديون أن المعايير مرنة وتعتمد على الظروف الراهنة. وهذا من شأنه أن يقوض سلطة بروكسل كحكم ويقلل من حوافز الإصلاحات الهيكلية. والأسوأ من ذلك: داخل الاتحاد الأوروبي، قد تستخدم بعض الحكومات هذه السابقة لتبرير عمليات عرقلة أو فرض شروط إضافية، مما يغذي سوقًا لحقوق النقض يصبح أكثر تكلفة.

من حيث المنهجية، تثير “العضوية المخففة” أيضًا تساؤلًا محرجًا: ماذا يعني “الامتثال” حقًا إذا كان “الجائزة” تُمنح جزئيًا بالفعل؟ قد تسرع العضوية على مراحل من التقارب، نعم، لكنها قد تحول العملية أيضًا إلى حالة من الغموض. وفي حالات الغموض الأوروبية، يثبت التاريخ أن ما هو مؤقت غالبًا ما يتحول إلى دائم.

التكلفة الاقتصادية: الميزانية، الصناديق، وسياسة المال

يحمل أي توسع بعدًا ماليًا، وستكون أوكرانيا ذات بعد مالي ضخم. يعمل الاتحاد الأوروبي ضمن إطار مالي متعدد السنوات – يتجاوز الإطار الحالي للفترة 2021-2027 مبلغ 1.2 تريليون يورو – وتعد بنوده الكبرى (التماسك، الزراعة، الانتقال) متفجرة سياسيًا. دمج دولة ذات احتياجات هائلة لإعادة الإعمار يعيد فتح النقاش حول من يدفع، ومن يتلقى، وبأي شروط.

هنا يكمن أحد الحوافز الخفية لـ “العضوية المخففة”: السماح بالتكامل السياسي والقطاعي دون تفعيل جميع التداعيات المتعلقة بالميزانية دفعة واحدة، وذلك بتعديل الوصول إلى الأموال على مراحل. ستكون هذه طريقة لتجنب صدام مباشر بين الدول المساهمة الصافية والدول المستفيدة التقليدية، ولكسب الوقت لإعادة تصميم القواعد.

لكن المال لا يتحمل الغموض. فإذا كانت أوكرانيا عضوًا، ستطالب بالتضامن؛ وإذا لم تكن كذلك بشكل كامل، سيسعى بعض الشركاء إلى تقييد ذلك. هذا الصراع قد يتجاوز الإطار الفني ليتحول إلى نزاع سياسي داخلي. عمليًا، يواجه الاتحاد الأوروبي معادلة حساسة: تسريع التكامل دون الإخلال بالتوازن الميزاني أو تغذية السردية القائلة بأن الاتحاد يغير قواعده متى شاء.

مقالات ذات صلة