الأخبار

الأمن الغذائي العربي على المحك.. مصر تدق ناقوس الخطر وتطرح خارطة طريق لمواجهة التحديات

في وقت تتشابك فيه خيوط الأزمات العالمية، من حروب وتغيرات مناخية، يبرز صوت عربي موحد يؤكد أن لقمة العيش هي قضية وجود. ومن القاهرة، جاءت رسالة واضحة عبر احتفالية يوم الزراعة العربي: الأمن الغذائي العربي خط أحمر، والعمل المشترك هو طوق النجاة الوحيد لضمان مستقبل مستدام لشعوبنا.

لم يكن الاحتفال الذي نظمته المنظمة العربية للتنمية الزراعية مجرد مناسبة بروتوكولية، بل تحول إلى منصة حقيقية لتقييم واقع مرير ومحاولة استشراف مستقبل يكتنفه الغموض. الكلمة التي ألقاها السيد القصير، وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، عبر الفيديو كونفرانس، كانت بمثابة بيان شامل يرسم ملامح الأخطار ويقترح حلولًا عملية، مؤكدًا أن هذا اليوم هو محطة لتجديد العهد على التضامن والتكامل.

ناقوس خطر في وجه عواصف عالمية

بصراحة وشفافية، وضع الوزير المصري التحديات على الطاولة، موضحًا أن الحديث عن الزراعة اليوم لا ينفصل عن التطورات الجيوسياسية التي تعصف بالعالم. فأزمة الحرب في غزة، وقبلها الأزمة الروسية-الأوكرانية، لم تكن مجرد أخبار على الشاشات، بل كانت ضربات مباشرة أثرت على استقرار منظومة الغذاء العالمية، وعانت منها الدول العربية بشكل خاص عبر اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع جنوني في تكاليف النقل وأسعار الغذاء والطاقة.

إلى جانب الحروب، يقف شبح التغيرات المناخية كأكبر تهديد وجودي، فهو لم يعد مجرد توقعات مستقبلية، بل أصبح واقعًا نعيشه يوميًا. السيول والفيضانات والأعاصير من جهة، والجفاف والشح المائي والتصحر من جهة أخرى، كلها عوامل تضغط بقوة على مواردنا الزراعية والمائية المحدودة أصلًا، وتجعل مهمة تحقيق الاكتفاء الذاتي أكثر صعوبة من أي وقت مضى.

الواحات.. رمز الصمود في قلب التحديات

لم يأتِ اختيار شعار الاحتفال هذا العام «لنعمل معا على استدامة الواحات وتعزيز قدراتها على الصمود والتكيف» من فراغ. فهذه الواحات، التي تمثل جيوبًا خضراء في قلب الصحراء، هي خير مثال على قدرة الإنسان على التكيف مع البيئات القاسية. إنها تجسد قصة صمود تاريخية، والتركيز عليها اليوم يحمل دلالة رمزية وعملية، فهو دعوة صريحة لتعزيز قدرة مجتمعاتنا الزراعية، خاصة في المناطق الهشة، على مواجهة الأزمات وتبني أنظمة إنتاج أكثر مرونة واستدامة.

لكن التحديات التي تواجه الواحات وغيرها من المناطق الزراعية العربية لا تقتصر على المناخ فقط. فهناك مشاكل هيكلية متجذرة مثل تدهور الأراضي، وتفتيت الحيازات الزراعية الذي يضعف الإنتاجية، ونقص العمالة المدربة، وضعف التمويل، والاعتماد على نظم زراعية تقليدية لم تعد قادرة على مواكبة المتغيرات.

رؤية مصرية.. مشروعات قومية وخارطة طريق واضحة

في قلب هذه التحديات، عرض الوزير علاء فاروق التجربة المصرية كنموذج يمكن الاستفادة منه. ففي ظل قيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، تحول ملف الأمن الغذائي العربي إلى أولوية استراتيجية قصوى، تُرجمت إلى مشروعات قومية عملاقة تهدف للتوسع الزراعي الأفقي والرأسي، مثل مشروع الدلتا الجديدة ومشروع المليون ونصف المليون فدان، وهي مشروعات لا تهدف فقط لزيادة الإنتاج، بل لتحسين جودة الصادرات وتعزيز مكانة مصر كلاعب رئيسي في منظومة الغذاء الإقليمية.

وقدمت مصر خارطة طريق واضحة، يمكن أن تمثل أساسًا لـ العمل العربي المشترك، ترتكز على عدة محاور أساسية:

  • دعم صغار المزارعين: تنشيط التنمية الريفية والبدوية، مع التركيز على دعم أصحاب الحيازات الصغيرة والمزارع الأسرية في المناطق الهامشية.
  • المخازن الاستراتيجية: إنشاء شبكة من المخازن الاستراتيجية لدعم احتياطي الأمن الغذائي العربي، لتكون بمثابة آلية استجابة سريعة في أوقات الكوارث والأزمات.
  • التكنولوجيا والتصنيع: تبني التكنولوجيات الزراعية الحديثة والاهتمام بالتصنيع الزراعي لخلق قيمة مضافة وتوفير فرص عمل جديدة.
  • تسهيل التجارة البينية: العمل على إزالة كافة العوائق الفنية والجمركية لتسهيل انسياب السلع الزراعية بين الدول العربية، وتعزيز التكامل الاقتصادي.

هذه الرؤية المصرية لم تكن مجرد طرح نظري، بل لاقت ترحيبًا وتقديرًا من الوزراء المشاركين، الذين أثنوا على دعوة مصر لتوحيد الجهود، مؤكدين أن مواجهة التحديات المصيرية لا يمكن أن تتم إلا من خلال تفعيل الشراكات والتكامل الحقيقي، وهو الهدف الذي أُنشئت من أجله المنظمة العربية للتنمية الزراعية عام 1972.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *