الأسواق العالمية تتنفس الصعداء مع اقتراب اتفاق تجاري أمريكي صيني
مؤشرات إيجابية من واشنطن وبكين تدفع أسعار الأسهم والنفط والنحاس للارتفاع، والأنظار تتجه نحو اجتماع الفيدرالي الأمريكي

اجتاحت موجة من التفاؤل أسواق المال العالمية، لتدفع أسعار الأسهم والسلع إلى الارتفاع، بعد ظهور مؤشرات قوية على قرب توصل الولايات المتحدة والصين إلى اتفاق تجاري ينهي حالة التوتر التي خيمت على الاقتصاد العالمي. هذا الانفراج المحتمل أطلق العنان لشهية المستثمرين للمخاطرة، ما انعكس في تحركات واسعة عبر مختلف فئات الأصول.
مؤشرات آسيا تقود موجة الصعود
كانت الأسواق الآسيوية هي السباقة في التفاعل مع الأنباء الإيجابية، حيث قفز مؤشر الأسهم الآسيوية بنسبة 1.5% مسجلاً أعلى مستوياته خلال اليوم. وقادت أسهم اليابان وكوريا الجنوبية المكاسب بارتفاع تجاوز 2% لكل منهما، فيما افتتحت مؤشرات الصين وهونغ كونغ تعاملاتها على ارتفاع ملحوظ، في دلالة واضحة على أن الأسواق الأكثر ارتباطاً بالصين هي الأكثر استفادة من هذه التطورات.
امتدت حالة التفاؤل إلى الأسواق الغربية قبل افتتاحها الرسمي، إذ تقدمت العقود الآجلة لمؤشري “إس آند بي 500″ و”ناسداك 100” في التداولات الآسيوية. يأتي هذا بعد أن أغلق المؤشران الأسبوع الماضي عند مستويات قياسية، مما يشير إلى أن الزخم الإيجابي قد يجد دعماً إضافياً لمواصلة مساره الصاعد.
السلع تعكس تفاؤل النمو العالمي
لم يقتصر التأثير على أسواق الأسهم، بل شهدت أسواق السلع تحركات مماثلة. قفز سعر النحاس، الذي يُعتبر مقياساً دقيقاً لصحة النشاط الصناعي والنمو العالمي، بشكل كبير. كما ارتفعت أسعار النفط مدعومة بالآمال في أن الاتفاق المحتمل بين واشنطن وبكين سيعزز الطلب العالمي على الطاقة، والذي تأثر سلباً خلال الشهور الماضية بفعل تباطؤ التجارة.
في المقابل، شهدت الأصول التي تُعتبر ملاذاً آمناً تراجعاً ملحوظاً، حيث انخفض سعر الذهب وتراجعت أسعار سندات الخزانة الأميركية، مما أدى إلى ارتفاع عوائدها. وارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات بأكثر من نقطتي أساس إلى 4.02%، في إشارة إلى أن المستثمرين يبيعون الأصول الآمنة ويتجهون نحو الأصول ذات المخاطر الأعلى مثل الأسهم.
تحليل: ما وراء الأرقام
تعكس هذه التحركات تحولاً كبيراً في معنويات المستثمرين، الذين عانوا طويلاً من حالة عدم اليقين التي فرضتها الحرب التجارية. إن ارتفاع عملات مثل الدولار الأسترالي والنيوزيلندي، المرتبطتين بقوة بالاقتصاد الصيني، يؤكد أن الأسواق لا ترى في الاتفاق المحتمل مجرد حل لخلاف ثنائي، بل بداية لتعافي حركة التجارة العالمية.
وقالت تشارو تشانانا، كبيرة استراتيجيي الاستثمار في “ساكسو ماركتس”، إن ما يحدث “يمثل فوزاً واضحاً للجانبين”، لكنها حذرت من أن استمرار هذا الزخم الإيجابي “يتطلب دعماً من الأساسيات الاقتصادية”. هذا التحليل يضع الأمور في نصابها، فالأسواق قد احتفلت بالخبر، لكنها تنتظر الآن ترجمة هذا التفاؤل إلى أرقام نمو حقيقية.
أسبوع حاسم يختبر التفاؤل
يأتي هذا الانفراج في توقيت حاسم، حيث يترقب المستثمرون هذا الأسبوع قرارات مصيرية من البنوك المركزية الكبرى. الأنظار تتجه بشكل خاص إلى اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، الذي من المتوقع على نطاق واسع أن يقرر خفض أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس لدعم الاقتصاد. كما ستصدر نتائج أرباح شركات التكنولوجيا العملاقة مثل “آبل” و”مايكروسوفت”، والتي ستقدم مؤشراً قوياً على صحة قطاع الأعمال.
المحادثات التي جرت في ماليزيا بين كبار المفاوضين من الجانبين أسفرت عن “توافق مبدئي” حول قضايا شائكة، مما يمهد الطريق أمام لقاء مرتقب بين الرئيسين دونالد ترمب وشي جين بينغ لإبرام الاتفاق النهائي. ورغم أن المزاج العام متفائل، فإن ديلين وو، الخبيرة الاستراتيجية في “بيبرستون”، تؤكد أن التأثير الحقيقي “سيعتمد على لقاء ترمب وشي”، لأنه يمثل المحفز الأهم لتحديد إمكانية تنفيذ أي اتفاق.
في النهاية، وبينما تحتفل الأسواق بالهدنة التجارية، فإنها تظل في حالة ترقب. فالمحفزات القادمة، وعلى رأسها قرار الفيدرالي وبيانات أرباح الشركات، ستكون الاختبار الحقيقي لمدى قدرة هذا التفاؤل على الصمود والتحول إلى زخم نمو مستدام، أم أنه سيبقى مجرد رد فعل قصير المدى على أخبار سياسية إيجابية.









