ألحان النيل في قلب الدوحة: الأوبرا المصرية تنسج تاريخًا جديدًا
من الخديوية إلى كتارا... قصة ريادة فنية تتجدد

في قلب الدوحة، حيث تتلاقى الثقافات وتتجدد الروح الفنية، انبعثت ألحان مصر العريقة لتملأ أرجاء مسرح أوبرا قطر. لم يكن مجرد عرض موسيقي، بل كان حضورًا مهيبًا للأوبرا المصرية، التي حملت معها عبق التاريخ الفني لبلاد النيل، لتنساب في أروقة المهرجان العربي للأوبرا، تاركةً بصمة وجدانية عميقة في نفوس الحاضرين.
لم يكن اختيار الأوبرا المصرية، برئاسة الدكتور علاء عبد السلام، ضيف شرف الدورة الأولى للمهرجان محض صدفة. بل كان إقرارًا بمكانتها الرائدة وأسبقيتها التاريخية في المشهد الثقافي العربي، منذ أن صدحت أولى نغماتها على مسرح الأوبرا الخديوية عام 1869. هذا الإرث العظيم، الذي قبلت وزارة الثقافة المصرية ترشيحه بكل فخر، يمثل جسرًا يربط الماضي بالحاضر، مؤكدًا على أن الفن المصري هو نبض الأمة وذاكرتها الحية.
شهدت ليلة الافتتاح البهية انطلاق فعاليات المهرجان بحفل أوركسترا القاهرة السيمفوني، بقيادة المايسترو أحمد عاطف، الذي قاد الفرقة ببراعة فائقة، محولًا المسرح إلى واحة من الإبداع الصوتي. كان الهواء يرتجف بترقب، والعيون تتطلع إلى خشبة المسرح، حيث بدأت أولى النغمات في رسم لوحة فنية ساحرة.
تكريم أيقونة الألحان
وفي لحظة مهيبة، توقف الزمن ليحتفي المهرجان بقامة فنية استثنائية، الموسيقار عمر خيرت. كان التكريم بمثابة اعتراف جماعي بمسيرة فنية أثرت الوجدان العربي لعقود، وبإسهاماته التي تجاوزت حدود الموسيقى لتصبح جزءًا لا يتجزأ من الذاكرة الجمعية. ابتسامة خجولة ارتسمت على وجهه، تعكس تواضع فنان عظيم أهدى روحه للفن.
عزف الأوركسترا السيمفوني، بانسجام وتناغم، مجموعة مختارة من مؤلفات الموسيقى التصويرية التي خطها عباقرة التلحين لأفلام سينمائية خالدة. كل نغمة كانت قصة، وكل مقطوعة رحلة عبر الزمن، تستعيد أمجاد السينما المصرية التي طالما كانت مرآة للمجتمع. من “الأيدي الناعمة” و”قصر الشوق” لعلي إسماعيل، إلى “صاحب الجلالة” لفؤاد الظاهري، و”عائلة زيزي” ليوسف شوقي، كانت الألحان تروي حكايات الحب والأمل والألم، وتؤكد على ريادة أرض طيبة في كل فن.
لم تقتصر الأمسية على الماضي فحسب، بل احتفت بالحاضر المتوهج، فصدحت ألحان عمار الشريعي الخالدة من “البريء” وتتر مسلسل “دموع في عيون وقحة”، التي لا تزال تلامس القلوب بصدقها وعمقها. ثم جاءت لمسات حسن أبو السعود المرحة في “بطل من ورق”، لتضفي بهجة خفيفة على الأجواء. وتسللت نغمات أندريا رايدر العذبة من “دعاء الكروان”، لتذكرنا بجماليات السينما الكلاسيكية التي لا تبهت مع مرور السنين.
خالدة “ليلة القبض على فاطمة”
كانت لحظة فارقة حينما صعد الموسيقار عمر خيرت إلى خشبة المسرح ليشارك الأوركسترا في عزف مقطوعته الأيقونية “ليلة القبض على فاطمة”. كانت تلك اللحظة تجسيدًا حيًا للتفاعل بين المبدع وعمله، حيث انصهرت أنامله مع مفاتيح البيانو، لتخرج ألحانًا تلامس الروح مباشرة. شعر الجمهور وكأنهم يشاركون في رحلة موسيقية حميمة، تتجاوز مجرد الاستماع إلى تجربة حسية عميقة، وقد تم تكريمه في هذه اللحظة من قبل الدكتور خالد إبراهيم السليطي، المدير العام للحي الثقافي كتارا، والدكتور محمد ولد أعمر، المدير العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم “الألكسو”، في مشهد يعكس تقديرًا عربيًا خالصًا لمسيرته.
لم يكتفِ المهرجان بالاحتفال بالموسيقى الحية، بل قدم رحلة بصرية آسرة عبر فيلم وثائقي استعرض تاريخ الأوبرا في مصر، منذ افتتاح الأوبرا الخديوية عام 1869، والتي كانت أول أوبرا في الشرق الأوسط، وحتى ميلاد دار الأوبرا المصرية الحديثة وأهم العروض التي استضافتها مسارحها. هذا الفيلم، إلى جانب آخر تناول مسيرة عمر خيرت الفنية، قدم للحضور لمحة شاملة عن عمق وتنوع المشهد الفني المصري. لمزيد من المعلومات حول تاريخ الأوبرا المصرية، يمكن زيارة موقع دار الأوبرا المصرية.
لقد كان حفل الافتتاح أكثر من مجرد أمسية فنية؛ كان احتفالًا بالهوية الثقافية العربية، وتأكيدًا على أن الفن هو اللغة المشتركة التي توحد الشعوب. في حضور أعضاء البعثة الدبلوماسية المصرية ونخبة من المسؤولين والشخصيات العامة، إلى جانب حشد جماهيري غفير من الجالية المقيمة والأشقاء من أبناء قطر، أعلنت الأوبرا المصرية، بوضوح، ريادة أرض طيبة وتميز الإبداع المصري، لتترك وراءها صدى ألحان خالدة ووعدًا بمستقبل فني عربي مزدهر.
