المياه: من شريان حياة إلى وقود صراعات.. قمة إفريقية في مهب التحديات
خبراء: أزمة المياه باتت قضية أمن وسلام في القارة السمراء.
تنعقد القمة الإفريقية لعام 2026 في جوهانسبرغ، جنوب إفريقيا، تحت شعار ‘المياه مورد حيوي للحياة والتنمية والاستدامة’، بينما تشهد القارة السمراء صدمات مناخية متتالية مرتبطة بالمياه. فمن إعصار جيزاني المدمر في مدغشقر، إلى مخاطر الأمراض المنقولة بالمياه في موزمبيق الغارقة بالفيضانات، وصولاً إلى الأراضي القاحلة ونفوق قطعان الماشية على طول الحدود الكينية الصومالية، تبدأ إفريقيا عامها الجديد محاصرة بأزمة مائية تتجاوز حدود البيئة لتلامس الأمن والسلام.
تؤكد سانوشا نايدو، محللة السياسة الخارجية في معهد الحوار العالمي بجنوب إفريقيا، أن اختيار المياه كعنوان للقمة قد يبدو غير سياسي، إلا أنه في جوهره عكس ذلك تمامًا. تقول نايدو: ‘المياه هي الحياة، لكنها لم تعد مجرد حياة؛ بل تتحول إلى سلعة للتسليع والتحكم في الوصول. إنها صراع إنساني، وصراع تغير مناخي، وقضية سلام وأمن’.
يشير الخبراء إلى أن تفاقم تغير المناخ والضغط الذي يفرضه على الموارد يعد نقطة ضغط رئيسية، لكن هناك نقاط توتر أخرى تتقاطع فيها المياه والصراع. تشمل هذه التوترات النزاعات بين دول المنبع والمصب حول الموارد الطبيعية المشتركة، واستخدام المياه كسلاح حرب، واستحواذ الصناعات الكبرى على موارد المياه على حساب البشر.
تتجلى هذه التحديات في إفريقيا عبر نزاعات دولية، كالصراع بين مصر وإثيوبيا على مياه النيل، والتوترات الدامية بين المزارعين والرعاة في نيجيريا على الأراضي الصالحة للزراعة، والاحتجاجات المناهضة للحكومة في مدغشقر بسبب فشل الخدمات، وتفشي الأوبئة الصحية عقب الفيضانات والجفاف الكبرى.
يرى ديسجين نايدو، الباحث البارز في شؤون المياه والمناخ بمعهد الدراسات الأمنية، أن تغير المناخ يُختبر الآن في المقام الأول كأزمة مياه. يقول نايدو: ‘نتحدث عن فيضانات وجفاف وعواصف شديدة الطاقة شهدها العالم وإفريقيا بتأثير مدمر للغاية’، مشيرًا إلى أن ‘قدرتنا على إدارة ذلك تضاءلت بمرور الوقت مع تزايد حجم التحدي’. يضيف أن ‘كثرة المياه وندرتها لهما نفس التأثير’؛ فكلاهما يقلل من وصول الناس إلى هذا المورد الحيوي. يؤدي هذا النقص إلى ندرة المياه ونقص الغذاء المتزايد، وتزايد أعداد لاجئي المناخ، وارتفاع احتمالات الصراع.
يظهر ذلك جليًا في منطقة الساحل وعبر إفريقيا، حيث توجد علاقة شبه مباشرة بين أنشطة حركة الشباب في الشرق وبوكو حرام في الغرب، وزحف التصحر. في المناطق التي تشح فيها الموارد الأساسية كالمياه، يضطر الناس غالبًا لفعل أي شيء للبقاء على قيد الحياة، وهو ما يؤدي أحيانًا إلى ‘نتائج أمنية سيئة للغاية’. يتضح هذا في شمال نيجيريا، حيث تجند مجموعات مسلحة من بين السكان المحليين المستضعفين، بينما تحولت الصراعات المجتمعية بين المزارعين والرعاة في المنطقة الوسطى إلى نزاعات دموية.
حتى بعيدًا عن ساحات المعارك، تزيد ندرة المياه من المخاوف الأمنية الجيوسياسية. يشير مراقبون إلى انقطاع الكهرباء والمياه الذي أثار احتجاجات غاضبة مناهضة للحكومة في مدغشقر العام الماضي. وفي جنوب إفريقيا هذا الأسبوع، دعت لجنة حقوق الإنسان بالبلاد إلى إعلان أزمة المياه كارثة وطنية، وسط احتجاجات سكان جوهانسبرغ الذين ظلوا بدون مياه لمدة عشرين يومًا.
تُعد بعض توترات المياه جزءًا لا يتجزأ من الحدود التي رسمت القارة. فعندما قسمت القوى الأوروبية إفريقيا قبل مؤتمر برلين وبعده بأكثر من قرن، رسمت خطوطًا بشكل عشوائي بين القبائل والأقاليم ومصادر المياه الرئيسية. يقع تسعون بالمئة من المياه السطحية في إفريقيا ضمن أحواض عابرة للحدود، وتتطلب تعاونًا أو معاهدات عابرة للحدود لإدارتها، بحسب البنك الدولي.
على الرغم من أن المعاهدات التي تحكم تقاسم المياه تعمل بشكل جيد في معظم المناطق، إلا أن التوترات الأخيرة حول النيل كشفت عن إمكانية نشوب صراع مستقبلي بين دول المنبع والمصب. افتتحت إثيوبيا العام الماضي سد النهضة الإثيوبي الكبير، وهو مشروعها الطموح على النيل الأزرق، وسط توترات مع جارتيها مصر والسودان، اللتين تعتمدان بشكل كبير على النيل وتخشيان أن يهدد السد الإثيوبي أمنهما المائي.
يلاحظ ماغنوس تايلور، نائب مدير مشروع القرن الإفريقي في مجموعة الأزمات الدولية، أن ‘مستوى التوتر مرتفع نسبيًا في الوقت الحالي’ بين إثيوبيا ودول المصب، وخاصة مصر، التي لم تتمكن من وقف بناء السد. يضيف تايلور أنه بخلاف المخاوف التشغيلية الفنية للسد، هناك توترات أوسع نطاقًا؛ إذ يمثل سد النهضة تحولًا تاريخيًا في علاقات القوة حول النيل. يقول: ‘تخشى مصر أن يتحدى سد النهضة سيطرتها العملية على مياه النيل، وهيمنتها السياسية الأوسع على حوض النيل’.
تترجم هذه التوترات وتتشتت عبر مواقف سياسية وأمنية أخرى تأثرت بقضية سد النهضة. يشير تايلور إلى الدعم المصري للقوات المسلحة السودانية في حرب السودان الجارية، والذي خلق ميزة للقاهرة في ضمان دعم السودان لوجه نظرها بشأن السد. كما سعت القاهرة دبلوماسيًا إلى إريتريا، الجارة الشمالية لإثيوبيا، وعرضت دعمًا أمنيًا للصومال عندما سعت إثيوبيا إلى اتفاق وصول بحري مع إقليم أرض الصومال الانفصالي.
يقول تايلور إنه بينما لا يشهد العالم ‘حروب مياه’ صريحة بعد، إلا أن النزاعات المائية تشكل وتكثف صراعات أخرى في جميع أنحاء القرن الإفريقي. بالنسبة لخبير المياه ديسجين نايدو، ‘فكرة الصراع بين الدول على أساس المياه هي أمر حقيقي للغاية’، وتصعيد توترات المنبع والمصب إلى صراع ‘احتمال وارد في عدة أجزاء من العالم وبالتأكيد في عدة أجزاء من إفريقيا’.
يشير نايدو إلى أن فن الحرب حول المياه متأصل في النفس البشرية، وأن أولى حروب الموارد في عصور ما قبل التاريخ دارت حول المياه والغذاء، حتى قبل النفط بكثير. لكن الخبراء يقولون إن المياه لا تُستخدم فقط كجذر وسبب للصراع، بل كسلاح بحد ذاته. يذكر نايدو الحربين في السودان وغزة كأمثلة حالية ‘حيث يوجد مستوى عالٍ جدًا من تسليح المياه’. في كلا المكانين، يعاني المدنيون الحرمان مع حجب الإمدادات واستهداف مصادر المياه في الهجمات المسلحة.
في الوقت نفسه، تشكل التكنولوجيا عاملًا آخر يضغط على وصول الناس إلى المياه. فالبنية التحتية للاتصالات ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي تتطلب كميات هائلة من المياه لأغراض التبريد، مما يزيد الضغط على الإمدادات التي يعتمد عليها الناس. وهذا يعني أن احتمالات الصراعات المائية ‘ستتفاقم على الأرجح’؛ فالاقتصادات تعتمد بشكل كبير على إمدادات المياه المنتظمة، وأي اضطرابات صغيرة في النظام – كالحرمان من المياه لثلاثة أيام – تعد سببًا للصراع.
يثير حجم التحديات قلق الخبراء والمراقبين، ويشعر الكثيرون أن القادة لم يفعلوا ما يكفي لتخفيف الأزمة. ترى سانوشا نايدو أن قرار الاتحاد الإفريقي بوضع المياه في صميم قمة 2026 مهم، لكنه تأخر كثيرًا. تقول إن الكتلة القارية والحكومات الوطنية كانت تعلم بأزمة المياه الناشئة منذ سنوات، لكنها فشلت إلى حد كبير في التحرك على النطاق اللازم. وتضيف أن المسؤولية لا تقع على عاتق الحكومات وحدها، بل تشمل المسؤولين المحليين والشركات المستغلة والملوثة، والمستهلكين والمجتمع المدني، الذين يجب عليهم تغيير سلوكهم والمطالبة بالمساءلة.
يقول تايلور من مجموعة الأزمات إن الاتحاد الإفريقي قد يصدر بيانًا في القمة، لكن بسبب صلاحياته المحدودة، من غير المرجح أن يترجم ذلك إلى أي اتفاقيات مياه ملزمة على مستوى القارة يمكن فرضها. لكن ديسجين نايدو يرى أن المعاهدات والاتفاقيات لها مكانتها، لكن القوة تكمن أيضًا في الحكومات الوطنية، التي يمكنها دعم وتوسيع الحلول الحقيقية التي تُنتج بالفعل على أرض الواقع.
يرى نايدو بصيص أمل في مشاريع الابتكار الإفريقية، بما في ذلك أنظمة الصرف الصحي غير المعتمدة على المجاري، والتي تعالج النفايات في الموقع بعمليات بيولوجية أو كيميائية أو ميكانيكية تعتمد بشكل أقل على المياه. أو مشاريع مثل نظام ‘القناة المائية العلوية’ في كيبيرا بكينيا، الذي يوفر طريقة للمناطق التي تفتقر إلى الأنابيب التقليدية تحت الأرض للحصول على مياه نظيفة لسكان الأحياء الفقيرة في نيروبي. هذه الأمثلة تظهر أن إفريقيا ليست ضحية لأزمة المياه فحسب، بل هي أيضًا مصدر للحلول المحتملة ومساحة يمكن للقارة أن تمارس فيها قيادة عالمية تقودها دول الجنوب. يؤكد نايدو أن ‘إدارة المياه بشكل صحيح هي قضية اجتماعية وإنسانية واقتصادية وأمنية غير قابلة للتفاوض’. ويختتم محذرًا: ‘لا يمكنك أن تتسامح مع عدم وجود الماء، وإلا ستموت’.









