فن

صدمة ‘تحت السن’ تفجر المسكوت عنه: لماذا تحولت الدراما العربية إلى تشريح جرائم الأقربين؟

من 'تحت السن' إلى 'سفاح الجيزة'.. تفكيك العلاقات الحميمية التي تحولت إلى فخاخ قاتلة

كاتب ومراسل إخباري في منصة النيل نيوز، متخصص في قسم الفن.

تتبنى الدراما التلفزيونية العربية مؤخراً زاوية معالجة شديدة القتامة لجرائم القتل، متمثلة في نقل مسرح الجريمة من الشارع التقليدي إلى داخل غرف المنازل المغلقة. ويظهر هذا التحول جلياً في مسلسل “تحت السن” (Under Age) الذي عرضت حلقاته مؤخراً، حيث لم تكن الجريمة وليدة اعتداء خارجي مجرد، بل كانت نتيجة مباشرة لتواطؤ الأم التي جسدت دورها الفنانة فرح يوسف، وتورطها في تهيئة الظروف التي أدت لمقتل ابنتها المراهقة “هنا”، التي لعبت دورها الفنانة جيسيكا حسام الدين.

وتأتي هذه المعالجة الفنية لتتقاطع مع دراسات علم الاجتماع الجنائي التي تركز على مفهوم المسافة الحميمية التي حددها عالم الأنثروبولوجيا الأمريكي إدوارد هال في نظريته للمساحات الشخصية بأنها تتراوح بين صفر و45 سنتيمتراً. وتشير هذه النظرية إلى أن اختراق هذه المساحة من شخص موثوق هو ما يجعل الخيانة أو الاعتداء الجسدي داخل الأسرة يحمل تأثيراً نفسياً مدمراً يفوق بكثير اعتداءات الغرباء.

وفي هذا السياق، كشفت تقارير صادرة عن المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في مصر أن نسبة الجرائم الأسرية تشهد تحولات نوعية ترتبط بالضغوط الاقتصادية والاضطرابات النفسية غير المعالجة. هذا الواقع انعكس بدقة في أعمال مثل مسلسل “الطوفان” عام 2017، ومسلسل “السبع وصايا” عام 2014، حيث تحول الطمع المالي إلى دافع مباشر للأبناء للتخطيط لإنهاء حياة آبائهم وأمهاتهم، مما يثبت أن رابطة الدم لم تعد كافية بمفردها لضمان الأمان المطلق.

ولا تقتصر البشاعة في هذه المعالجات على إنهاء الحياة جسدياً، بل تمتد إلى تفكيك مفهوم “الذاكرة المشتركة”. ووفقاً لتحليلات نفسية نشرتها منصات متخصصة في الطب النفسي، فإن الضحية التي تتعرض للخيانة من محيطها القريب تفقد القدرة على استرجاع ماضيها بأمان، حيث تتحول كل ذكرى دافئة سابقة إلى تساؤل مقلق حول مدى زيفها.

وتتخذ الجريمة العائلية في مسلسل سفاح الجيزة أبعاداً سيكوباتية معقدة، حيث أظهر السرد الدرامي لشخصية القاتل التي جسدها أحمد فهمي أن دوافعه الإجرامية تشكلت منذ الطفولة لحظة مشاهدته لأمه وهي تقتل والده. وبحسب مخرجي العمل، فإن البناء الدرامي اعتمد على فكرة أن القاتل المتسلسل يستمد قوته وقدرته على التخفي من معرفته الدقيقة بنقاط ضعف ضحاياه المقربين، والذين كان من بينهم زوجته وعمته.

إن التحول من مفهوم “القاتل الغريب” ذو الملامح الحادة إلى “القاتل الحميم” يعكس رغبة صناع الدراما في إحداث صدمة واعية لدى المتلقي. هذه الصدمة لا تهدف إلى شيطنة الأسرة كبنية اجتماعية، بل تسعى إلى كشف الهشاشة الإنسانية عندما تغيب المعايير الأخلاقية والرحمة، تاركةً الأفراد العزل، وخاصة المراهقين، في مواجهة مباشرة مع خطر ينام في الغرفة المجاورة.

مقالات ذات صلة