فن

«باري إكس بول» في البندقية: صِدِام التكنولوجيا والقداسة داخل محراب «سان جورجيو ماجيوري»

صراع التكنولوجيا والروح في معرض «شكل الزمن»

كاتبة ومراسلة إخبارية في منصة النيل نيوز، متخصصة في قسم الفن.

تستعيد كنيسة «سان جورجيو ماجيوري» في البندقية دورها التاريخي كحاضنة للفنون الكبرى عبر معرض «شكل الزمن» للنحات النيويوركي باري إكس بول، في محاولة من الرهبنة البندكتية لإحياء تقليد رعاية الكنيسة للفن المعاصر الذي تراجع منذ ذروة العصر الباروك، حيث يواجه العمل المركزي للمعرض، وهو تمثال البابا يوحنا بولس الثاني المصنوع من الذهب والفضة، المقاعد الخشبية الداكنة للكنيسة التي صممها أندريا بالاديو عام 1610. وبينما تبدو المنحوتات كأنها بعث جديد لفن الأيقونات، فإنها نتاج سبعة أسابيع من عمل الروبوتات المتواصل في استوديو الفنان ببروكلين، وهو تناقض يراه «بول» محاولة لـ«النفاذ إلى روح القطع» وليس مجرد إعادة إنتاج ميكانيكية، رغم الانتقادات التي تصفه بـ«قاتل الفن» بسبب اعتماده المفرط على المسح ثلاثي الأبعاد والبرمجة الرقمية.

تتجاوز المنحوتات المعروضة قيمتها الجمالية لتتحول إلى وثائق سياسية وتاريخية؛ إذ يتضمن تمثال البابا يوحنا بولس الثاني (2012-2024) رموزاً تشير إلى حركة «تضامن» البولندية، ومحاولة اغتياله عام 1981، وحتى خصومه الأيديولوجيين مثل هتلر ولينين، في استحضار لزخم الحقبة التي كان فيها البابا شخصية عالمية عابرة للحدود الدينية. ومع أن الفنان نشأ في بيئة مسيحية أصولية، إلا أنه يدمج في معرضه رموزاً بوذية في منطقة «الساكريستيا»، مستفيداً من موقع البندقية التاريخي كجسر بين الشرق والغرب، ومستخدماً أحجاراً من مناطق نزاع حالية مثل العقيق الإيراني، الذي نحت منه نسخة لتمثال «بييتا» لميكيل أنجيلو، ليعيد صياغة مفهوم المعاناة البشرية بخامات تتسم بالفخامة والشفافية.

يضم المعرض 23 عملاً فنياً موزعة بين صحن الكنيسة وجناحها العرضي ومبنى الساكريستيا، وتستمر الفعاليات حتى 22 نوفمبر 2026. تبرز ضمن القطع منحوتة «القديس بارثولوميو المسلوخ» المنفذة من رخام «روج دو روا» الفرنسي الأحمر، وتمثال البابا المصنوع بالتعاون مع دار المجوهرات الإيطالية «داماني» بارتفاع يتجاوز قدمين بقليل، إضافة إلى منحوتات بوذا الحجرية المرتبة على هيئة صليب.

تكتسب مشاركة باري إكس بول أهمية خاصة بالنظر إلى سوق الفن المعاصر، حيث حققت أعماله أرقاماً قياسية تجاوزت نصف مليون دولار في مزادات «كريستيز»، في وقت يسعى فيه القيمون على المعرض، ومنهم كارميلو غراسو مدير الدير، إلى وضع هذه التقنيات الرقمية في خدمة السردية الدينية التقليدية. هذه العلاقة الجدلية بين الروبوت والمقدس تظهر بوضوح في تحويل ميكانيكا النحت إلى عملية أشبه بالرهبنة؛ فالتشطيب اليدوي لكل قطعة يستغرق آلاف الساعات بعد انتهاء عمل الماكينات، ما يجعل من العمل الفني «مظهراً لفكرة جديدة وقديمة في آن واحد» وفقاً لتعبير الناقد سيباستيان سمي، الذي يرى في هذه التماثيل تجسيداً لزمن يرفض الانفصال عن جذوره الكلاسيكية رغم انغماسه في التكنولوجيا.

مقالات ذات صلة