اقتصاد

صعود أسعار النفط يدفع عجلة التضخم ويُهدد بزيادات وشيكة في الفائدة

تداعيات الصراع في إيران تضرب الأسواق المالية وتُعيد رسم خريطة التوقعات الاقتصادية

صحفي اقتصادي في منصة النيل نيوز، متخصص في متابعة أسواق المال والتقارير الاقتصادية المحلية والعالمية

تتسع رقعة التداعيات الاقتصادية السلبية جراء الصراع الدائر في إيران، لتضرب جيوب المستهلكين مباشرةً. فبعد أن سجلت أسعار النفط والغاز قفزات حادة، باتت المخاوف من موجة تضخمية جديدة حقيقة ماثلة، تُلقي بظلالها على المشهد الاقتصادي وتُثير قلق الحكومات والمواطنين على حد سواء.

ظل سعر خام برنت القياسي يدور حول 110 دولارات للبرميل الواحد، مقارنةً بنحو 72 دولارًا قبل اندلاع هذا الصراع. وفي سوق الجملة للغاز، ارتفع سعر الوحدة إلى 150 بنسًا، وهو ما يعادل ضعف سعرها تقريبًا قبل ثلاثة أسابيع فقط، والذي كان يقدر بـ 77 بنسًا. هذه الزيادات في أسعار الطاقة، التي تعد شريان الحياة لكل قطاعات الاقتصاد، سرعان ما تنعكس على تكاليف الإنتاج والنقل، لتجد طريقها في النهاية إلى أسعار السلع والخدمات التي يستهلكها الناس يوميًا.

نتيجة لذلك، تشير التوقعات الحالية إلى أن معدل التضخم، الذي كان يُنتظر أن يتراجع إلى 2% بنهاية العام الجاري، قد يصل في الواقع إلى 5%، وفقًا لتحليلات توماس بوغ، كبير الاقتصاديين في شركة المحاسبة RSM. هذا التحول الصارخ في التوقعات يُبرز مدى حساسية الاقتصاد العالمي لتقلبات أسعار الطاقة، وكيف يمكن لحدث جيوسياسي واحد أن يُغير مسار النمو والأسعار بشكل جذري.

في هذا السياق، باتت احتمالات رفع أسعار الفائدة أكثر ترجيحًا من أي وقت مضى. فبينما كان الإجماع السائد نهاية شهر فبراير الماضي يتجه نحو خفض تكاليف الاقتراض خلال العام، تحوّل النقاش بشكل كامل. لم يعد الحديث يدور حول متى أو بكم ستُخفض الفائدة، بل أصبح يرتكز على حجم الزيادات المحتملة. قبل إعلان بنك إنجلترا الأخير عن إبقاء سعر الفائدة الأساسي عند 3.75%، كانت الأسواق تتداول على نسبة 3% لاحتمال الزيادة، وهو ما يعكس تحولاً جذريًا في رهانات المتداولين.

الآن، تُسعّر الأسواق ثلاث زيادات أخرى في أسعار الفائدة خلال عام 2026، يتوقع أن تأتي في يونيو ويوليو وديسمبر. هذه التقديرات، إن صحت، ستدفع بسعر الفائدة الأساسي إلى 4.5% بنهاية العام. يُمثل هذا السيناريو تناقضًا حادًا مع التوقعات التي سادت في بداية الشهر، والتي كانت تُشير إلى انخفاض سعر الفائدة إلى 3.25% قبل نهاية 2026، مما يُظهر السرعة التي تتغير بها المعطيات الاقتصادية.

هذه التوقعات المتشائمة تلقي بظلالها بالفعل على سوق الرهن العقاري، حيث وصلت متوسطات أسعار الرهن العقاري إلى أعلى مستوياتها منذ عام. فقد قفز متوسط سعر الرهن العقاري الثابت لمدة عامين إلى 5.3% يوم الخميس الماضي، بعد أن كان 4.83% مطلع الشهر. ولم يكن متوسط صفقة الرهن العقاري الثابتة لمدة خمس سنوات بهذا الارتفاع منذ أغسطس 2024، حيث ارتفع من 4.95% بداية مارس إلى 5.35%، مما يضع أعباءً إضافية على كاهل الأسر الساعية لإعادة تمويل قروضها.

بالطبع، لا يتفق الجميع على هذه التوقعات الحادة. فبشرط ألا تشهد أسعار النفط مزيدًا من الارتفاعات، وأن تظل أقل من 125 دولارًا للبرميل، ترى شركة الأبحاث الاقتصادية Pantheon Macroeconomics أن البنك المركزي لا يزال يمتلك المساحة الكافية لتجنب تغيير سعر الفائدة الأساسي. لكن هذا الرأي يبقى رهينًا بمدى استقرار أسواق الطاقة العالمية، وهو أمر يبدو بعيد المنال في ظل التوترات الراهنة.

تُدرك اللجنة النقدية في البنك المركزي حجم التحدي. فقد صرحت بأن “الصراع في الشرق الأوسط قد تسبب في زيادة كبيرة في أسعار الطاقة العالمية وغيرها من أسعار السلع، مما سيؤثر على أسعار الوقود والمرافق للأسر، وسيكون له آثار غير مباشرة عبر تكاليف الشركات”. وأكدت اللجنة أن “تضخم مؤشر أسعار المستهلك سيكون أعلى على المدى القريب نتيجة لهذه الصدمة الجديدة التي يتعرض لها الاقتصاد”. هذه الكلمات الصريحة تلخص الوضع المعقد الذي يواجهه صانعو القرار، وتُبرز حجم الضغوط التي تتعرض لها الاقتصادات العالمية جراء التحديات الجيوسياسية الراهنة.

مقالات ذات صلة