موسيقى الذكاء الاصطناعي: مليارات الدولارات في خطر بسبب “روبوتات البث”
تحقيق يكشف عن حجم الاحتيال الموسيقي عبر الذكاء الاصطناعي وتأثيره على الفنانين ومنصات البث العالمية.

تتزايد المخاوف داخل صناعة الموسيقى العالمية من حجم الاحتيال المرتبط بالموسيقى المولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي، والذي بات يهدد بتجريد الفنانين الحقيقيين من مليارات الدولارات سنوياً. هذا الاحتيال يعتمد على استغلال سهولة إنتاج الأغاني بالذكاء الاصطناعي، ثم استخدام الروبوتات لبثها بشكل متكرر لجمع حقوق الملكية.
الظاهرة التي يصفها البعض بأنها “روبوتات تستمع لموسيقى الروبوتات” باتت واقعاً ملموساً. فخلال السنوات القليلة الماضية، تطورت تقنيات الذكاء الاصطناعي بشكل مذهل، حتى أصبح بإمكان أي شخص إنتاج مقطوعات موسيقية كاملة، بكلمات وألحان مختلفة، في غضون ثوانٍ معدودة. هذه الأغاني، رغم بساطتها أحياناً، لا يمكن تمييزها عن الأعمال البشرية بالنسبة للمستمع العادي.
وتكشف تقديرات حديثة من منصات بث موسيقى دولية عن أرقام مقلقة. فموقع “ديزر” الفرنسي، وهو أحد أبرز المنافسين لسبوتيفاي وآبل ميوزيك، يشير إلى تحميل نحو 60 ألف مقطوعة موسيقية بالكامل عبر الذكاء الاصطناعي يومياً على منصته. هذا الرقم يمثل أكثر من ثلث إجمالي الإنتاج اليومي للموسيقى. وللمقارنة، أنتجت صناعة الموسيقى الأمريكية بأكملها حوالي 57 ألف أغنية فقط خلال عام 2015 كاملاً.
يتوقع “ديزر” أن تستقبل منصته ما يقرب من 21 مليون مقطوعة موسيقية مولدة بالذكاء الاصطناعي سنوياً، وهي تقديرات متحفظة بالنظر إلى النمو المتسارع في إنتاج هذا النوع من الموسيقى شهرياً. لمواجهة هذا الطوفان، طور رومان هينيكان، رئيس الأبحاث في “ديزر”، خوارزمية متقدمة للكشف عن الموسيقى التي يرفعها الذكاء الاصطناعي، مستهدفاً أدق التفاصيل الموسيقية التي لا يمكن للأذن البشرية التقاطها.

الاحتيال لا يكمن في الأغاني نفسها، بل في السلوك المحيط بها. فبعد رفع مقطوعة موسيقية أنتجها الذكاء الاصطناعي، يستخدم المحتالون أنظمة آلية، أو ما يعرف بـ”الروبوتات”، لتشغيل الأغنية مراراً وتكراراً. الهدف هو تضخيم أعداد مرات الاستماع بشكل مصطنع، وبالتالي تحقيق إيرادات من حقوق الملكية التي تدفعها المنصات.
هذه ليست ظاهرة هامشية يمارسها قلة من المحتالين. يؤكد تيبو روكو، رئيس قسم حقوق الملكية في “ديزر”، أن “الغالبية العظمى من المستمعين لهذا المحتوى هي في الواقع ما نسميه التلاعب بالبث أو الاحتيال”. وتشير خوارزمياته، التي ترصد الأنشطة غير الطبيعية على المنصة بطريقة مشابهة لكيفية رصد البنوك للتحويلات المشبوهة، إلى أن ما يصل إلى 85% من إجمالي مرات الاستماع للموسيقى المولدة بالذكاء الاصطناعي بالكامل هي عمليات احتيالية.

الخسارة لا تقتصر على “ديزر” فقط، بل تمتد لتطال الفنانين الحقيقيين. فآلية دفع حقوق الملكية على منصات البث لا تعتمد على سعر ثابت لمرة الاستماع الواحدة، بل على حصة الفنان من إجمالي مجمع حقوق الملكية المشترك. هذا يعني أن أي جهة تنجح في توليد عدد هائل من مرات الاستماع الاحتيالية، فإنها تسحب أموالاً من هذا المجمع، ما يقلل من نصيب بقية الفنانين.
الأرقام المتداولة ضخمة للغاية. يقول أليكسيس لانترنييه، الرئيس التنفيذي لـ”ديزر”، إنهم يكتشفون أن 8 إلى 9% من إجمالي عمليات البث عالمياً هي عمليات احتيالية. ويضيف: “إذا طبقنا هذه النسبة على عالم الموسيقى، فإنها تصل تقريباً إلى بضعة مليارات من الدولارات، بين اثنين وثلاثة مليارات”.
ويصف مسؤولو “ديزر” هذه المواجهة بأنها “معركة مستمرة”. فبينما تعمل المنصة على تحديد الروبوتات باستخدام أنظمتها الآلية لمنعها من توليد حقوق ملكية، يبحث المحتالون باستمرار عن طرق جديدة لتجاوز الدفاعات. ويؤكد روكو أنهم لن يخسروا هذه المعركة، لكنهم أيضاً لن ينتصروا بشكل كامل، لأن الطرفين سيواصلان تطوير أدواتهما.
الفنانون البشريون يعبرون عن صدمتهم وغضبهم من هذا الوضع. تقول المغنية الشعبية ليلا تريسترام: “كفنانين، نحصل على جزء صغير جداً من الأموال التي نستحقها بسبب نظام البث. أن يتم تقليص هذا الجزء أكثر فأكثر عبر الروبوتات… يجعل دمي يغلي”.

من جانبه، يحذر أيدان غرانت، مؤسس وكالة الإنتاج الموسيقي “ديفرنت صوص”، من أن صناعة الموسيقى “تحتاج إلى السيطرة على هذا الأمر قليلاً، وإلا فقد يخرج عن السيطرة بسرعة كبيرة”.
أصبح النقاش يدور حول أفضل السبل لتنبيه المستهلكين والموسيقيين. قررت “ديزر” وضع علامة على المقطوعات الموسيقية المولدة بالكامل بواسطة الذكاء الاصطناعي، لكنها المنصة الوحيدة التي تتبع هذا النهج حالياً.

“سبوتيفاي”، أكبر خدمة بث في العالم، اختارت عدم وضع هذه العلامة، خوفاً من وصم الفنانين الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي في أعمالهم. هذا يمثل إشكالية محتملة في المستقبل، حيث قد تعتمد كل مقطوعة موسيقية على شكل من أشكال المساعدة الاصطناعية.
لا تضع “يوتيوب” ولا “آبل ميوزيك” علامات على مقطوعات الذكاء الاصطناعي. “يوتيوب” ذكرت أنها تطلب من المبدعين الإشارة إلى استخدام الذكاء الاصطناعي إذا بدا المحتوى واقعياً. لكن “سبوتيفاي” انضمت إلى “ديزر” في محاولة وقف تدفق موسيقى الذكاء الاصطناعي وعمليات البث الاحتيالية. ففي العام الماضي، أزالت “سبوتيفاي” 75 مليون مقطوعة “سبام”، الكثير منها كان بالذكاء الاصطناعي، وذلك من أصل كتالوجها الذي يضم 100 مليون مقطوعة.
رغم كل ذلك، يرى البعض بصيص أمل للفنانين. فبالرغم من الضجة التي أحدثتها بعض مقطوعات الذكاء الاصطناعي ووصولها لملايين مرات الاستماع، لا يوجد حتى الآن إقبال جماهيري كبير عليها خارج نطاق بعض الأغاني الفيروسية العرضية، وبالطبع المحتالين. يبدو أن الموسيقى لا تزال بحاجة إلى أن يعزفها ويروج لها شخص يتمتع بجاذبية حقيقية لتجد جمهوراً ذا معنى. الاتصال البشري لا يزال مهماً… على الأقل في الوقت الحالي.









