فن

فضل شاكر في ‘يا غايب’: قناع الحقيقة وسقوط الفنان في جحيم العقل العربي

مسلسل وثائقي على منصة "شاهد" يغوص في حكاية الفنان الذي تحول من نجم للأغنية الرومانسية إلى وقود في أتون الصراع، كاشفاً عن تناقضات الروح والمجتمع.

كاتب ومراسل إخباري في منصة النيل نيوز، متخصص في قسم الفن.

“امنح الرجل قناعاً، وسيخبرك بالحقيقة”. هكذا يهمس صوتٌ في مسلسل “يا غايب”، مستدعياً حكمة قديمة لتكون مفتاحاً لروح الفنان فضل شاكر. إنه ليس مجرد اقتباس عابر، بل هو جوهر الحكاية كلها. حكاية رجل يقف اليوم أمام القضاء اللبناني بعد سنوات من الغياب، رافضاً الصمت، ومصراً على روايته.

في هذا العمل الوثائقي الروائي، الذي تنسجه منصة “شاهد” عبر تسع حلقات، يؤكد شاكر أنه لا يخشى المحكمة. هو بريء. يكررها بثقة لا تخلو من مرارة. كل التهم الموجهة إليه، من الانتماء لجماعة إرهابية إلى التحريض على العنف، ينفيها بشدة. لم يكن دافعه سياسياً، بل كان إنسانياً. مجرد رد فعل على الظلم.

قناع الحقيقة… ووجه الحكاية

تجلس أمامه الممثلة الشابة ستيفاني عطا الله، التي ترتدي هنا قناع الصحفية الباحثة عن الحقيقة. هي بوابتنا التي نعبر منها بين عالمين: عالم التمثيل الذي يعيد بناء الماضي، وعالم الوثائقي حيث يتحدث شاكر الحقيقي. يروي قصته منذ طفولة المخيم القاسية، وصولاً إلى لحظة تصوير هذا العمل. وما أن ينتهي من سرد فصل من حياته، حتى يتحول كلامه إلى مشهد حي، يجسده الممثل عماد عزمي، وتشاركه سميرة الأسير في دور زوجته، بل ويظهر أولاده أيضاً ليدلوا بشهاداتهم.

فضل شاكر: حكاية السقوط والبحث عن براءة

هذه البنية السردية المتشابكة، التي صاغتها المخرجة فاطمة راتشا شحادة وفريق الكتابة، قد تبدو حيلة فنية بهلوانية. لكنها في الحقيقة ضرورة مؤلمة. إنها لعبة أقنعة لا بد منها لامتلاك شجاعة قول الحقيقة في حقل ألغام اسمه “قضية فضل شاكر”. هي محاولة دقيقة لتجنب تسييس قصة إنسانية، أو، وهو الأخطر، أنسنة قضية سياسية غرقت حتى أذنيها في وحل الطائفية.

لحظة اشتعل فيها المسرح… والعالم

يعود بنا شاكر إلى تلك الليلة المشؤومة في المغرب عام 2013. كان يقف على مسرح مهرجان موازين، أحد أضخم المحافل الفنية العربية، أمام عشرات الآلاف من عشاقه. فجأة، توقف الغناء. انفجر شيء ما في داخله. أمسك بالميكروفون وراح يدعو بالموت على الرئيس السوري بشار الأسد، طالباً من الجمهور أن يردد خلفه “آمين”.

يُقسم أن ما حركه آنذاك لم يكن سوى صور المذابح التي أدمت قلبه، مشاهد الأطفال والنساء التي لم تفارق خياله. ومن يستمع إلى قصة حياته، ويعرف حجم القهر الذي ذاقه في طفولته، يدرك أن هذا الرجل يكره الظلم حتى النخاع. اندفاعاته العصبية عنيفة، وردود أفعاله حادة. يمكن للمرء أن يتخيل تلك الحالة النفسية التي دفعته لإطلاق تلك التصريحات النارية. تصريحات أشعلت النار حرفياً، وقسمت الملايين من محبيه بين مؤيد ومعارض. لقد كانت صدمة.

فضل شاكر: حكاية السقوط والبحث عن براءة

من نجم الأغنية إلى وقود الفتنة

ربما لم يخطر ببال فضل شاكر حجم العاصفة التي أثارها. بالتأكيد لم يتصور المسار الكارثي الذي ستتخذه حياته بعدها. كرة الثلج، أو كرة البؤس، بدأت تتدحرج بسرعة جنونية. أطلق لحيته، انضم إلى جماعة مسلحة، وحمل السلاح. فجأة، وجد نفسه طرفاً في حرب لم يخترها، في جنوب لبنان، مسقط رأسه الذي لم يغادره.

“لم أقتل نملة”، يقولها بحرقة. والمحكمة وحدها ستثبت أو تنفي هذه التهمة، وهي الأخطر على الإطلاق. يروي هو والمقربون منه تفاصيل ما حدث بعد دعائه “الإنساني” في موازين. كيف تحول من فنان محبوب إلى حطب في أتون العنف الدائر. كان صادقاً، على الأرجح، حين قال إنه لم يرغب أبداً في أن يكون مقاتلاً، خاصة ضد جيش بلاده. لكن تصريحاته العنيفة، وصورته بالبندقية، قالت شيئاً آخر تماماً.

جرح اليُتم في حنجرة من ذهب

يكشف المسلسل عن رجل بسيط في أعماقه. رجل عانى طويلاً من الفقر المدقع والتنمر في مخيم عين الحلوة. عمل في مهن شاقة قبل أن يكتشف، بالصدفة، أن الله منحه صوتاً استثنائياً. صوتاً دافئاً، حنوناً، يخترق القلوب بلا استئذان. لكن هناك جرحاً أعمق لم يندمل قط.

إنه جرح الملجأ الذي أودعته فيه أسرته لسنوات، ليصبح يتيماً وأهله على قيد الحياة. حتى بعد شهرته، ظل لقب “الفنان اليتيم” يلاحقه. لا يوضح إن كان هذا اللقب وسيلة لكسب تعاطف الجمهور، على طريقة العندليب الأسمر، أم أنه حقيقة مؤلمة فرضها واقعه. لكنه حين يتذكر تلك الأيام، يبكي. بكاء حقيقي، صادق، في لحظة هي الأكثر تأثيراً في المسلسل كله. ذاك التخلي والهجر، هو الصدع الذي تشكلت حوله شخصيته كلها.

فضل شاكر: حكاية السقوط والبحث عن براءة

شهرةٌ تأكل صاحبها

هذا الرجل البسيط، الذي لم ينل حظاً من التعليم، وجد نفسه فجأة ثرياً، مشهوراً، محبوباً. انتقل من قاع المخيم إلى قمة المجتمع. لكنه لم يشعر يوماً بالانتماء. كان يشعر بغربة قاتلة، وبذنب غامض تجاه هذه الموهبة التي لا يعرف كيف يستحقها. هذا الشعور أثقل كاهله، فبدأ يلوم الفن والوسط الفني، وينفصل عنه نفسياً. وفي ذروة نجاحه، أمام أكبر حشد رآه في حياته، انفجر كل ذلك الشعور المكبوت في استعراض علني ومأساوي لتدمير الذات.

فصام الفن… فصام الأمة

يحاول شاكر أن يبرر استياءه من عالم الفن: “كله غيرة وحسد وحظوظ”. لكنه يتناسى أن هذه هي الطبيعة البشرية في كل مكان. فهو نفسه يروي كيف اختلف مع الشيخ أحمد الأسير بسبب سلوكيات مشابهة، وكيف كان أصحاب العمل “يأكلون حقه” في صباه. إنه يلوم الفن، لكنه ينسى المشهد الأهم في حياته، الذي يرويه بفرح غامر: حين ضاقت به السبل، دعا الله بحرارة أن يحبب فيه خلقه. وبعد أيام، ولدت أغنية “يا غايب”، التي جعلته مليونيراً. ألم يكن ذلك بفضل الفن؟

هذا التناقض الصارخ بين حب الفن وكراهيته ليس حالة فردية. إنه يعكس فصاماً ثقافياً عميقاً في المجتمع العربي. وفضل شاكر ليس سوى ضحية ومرآة لهذا الفصام. من هذا المنطلق، تحول موقفه “الإنساني” من مظالم سوريا إلى موقف ديني وطائفي. هو يصر أن الناس فهمته خطأ. “هل إطلاق اللحية إرهاب؟” يتساءل. “إذا كان اتباع الدين إرهاباً، فأنا إرهابي!”. هكذا يتأرجح، وتتأرجح معه الحقيقة، بين الإنساني والسياسي والديني.

المثير للدهشة أن المسلسل نفسه يعكس هذا الاضطراب. بأسلوبه الفني المتذبذب بين الوثائقي والروائي، بين شهادة البطل وشهادات الآخرين، يرسم العمل صورة مركبة. لا يقدم إجابة واحدة، بل يتركنا مع صور متجاورة ومتناقضة لرجل نزل إلى جحيم العقل العربي الجمعي، ولم يجد طريق الخروج منه بعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *