
في خطوة تعكس حرصًا متزايدًا على الارتقاء بالعملية التعليمية، أطلقت وزارة التربية والتعليم المصرية برنامجًا تدريبيًا مكثفًا يستهدف رفع كفاءة التوجيه الفني. هذه المبادرة، التي تأتي في توقيت حاسم، يبدو أنها تسعى لمعالجة فجوة طالما أُثيرت حولها التساؤلات بشأن جودة الامتحانات وأساليب التقييم.
تحت إشراف الإدارة المركزية للتعليم العام ومتابعة مستشاري المواد، يركز البرنامج على «التنمية المهنية لرفع كفاءة التوجيه الفني لصياغة المفردات الاختبارية لتقويم نواتج التعلم وكيفية إعداد اختبار جيد». هذه الخطوة، التي جاءت بتوجيهات مباشرة من وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، محمد عبد اللطيف، تشير إلى إدراك الوزارة لأهمية تطوير أداء الموجهين لمواكبة التغيرات المتسارعة في المناهج وأساليب التقييم الحديثة، وهو أمر حيوي لضمان عدالة وفعالية العملية التعليمية.
هرم بلوم
التقييم المعرفي
المرحلة الأولى من البرنامج استهدفت موجهي عموم وموجهي مواد أساسية كالرياضيات واللغة العربية والدراسات الاجتماعية، وهو اختيار منطقي لأهمية هذه المواد في بناء القدرات المعرفية للطلاب. تضمن التدريب شرحًا معمقًا لـهرم بلوم للمجالات المعرفية، مع تطبيق عملي على كيفية إعداد اختبارات جيدة وفق معايير الجودة وصياغة الأسئلة بناءً على الأهداف الإجرائية ومواصفات الورقة الامتحانية. هذا التركيز على بلوم يعكس توجهًا عالميًا نحو تقييم القدرات العليا للتفكير، وليس مجرد الحفظ والتلقين، وهو ما يمثل نقلة نوعية في فلسفة الامتحانات.
دقة الصياغة
كما تناول التدريب محاور فنية دقيقة، أبرزها خطوات إعداد الاختبار الجيد، والاطلاع على مواصفات الورقة الامتحانية مع مراعاة الوزن النسبي للوحدات الدراسية. اللافت هنا هو التشديد على تطبيق مستويات بلوم المعرفية الأربعة (التذكر، الفهم، التطبيق، التحليل) بتقديم أمثلة عملية ومناقشات حية من موجهين بالمحافظات، مما يعزز الجانب التطبيقي. يرى خبراء تربويون أن صياغة الأسئلة بدقة ووضوح، بعيدًا عن الغموض أو الأسئلة المفتوحة التي تثير الجدل، هي حجر الزاوية في تحقيق عدالة التقييم وقياس نواتج التعلم الحقيقية، وهو ما يطمئن أولياء الأمور والطلاب على حد سواء.
دور الموجه
الميدان التربوي
البرنامج لا يتوقف عند الجانب النظري، فمن المقرر أن يستكمل الجزء الثاني من التدريب يوم الأربعاء الموافق 12 نوفمبر الجاري، تحت عنوان «يوميات موجه داخل المدرسة»، وهو ما يشير إلى توجه الوزارة نحو تعزيز الدور الميداني للموجه. هذا المحور يهدف إلى تحقيق أعلى معدلات الكفاءة والإشراف الفني المباشر داخل المدارس، مما يعني أن الموجه لن يكون مجرد مقيّم، بل شريك فعال في تطوير الأداء اليومي للمعلمين والطلاب. يُرجّح مراقبون أن هذا التوجه سيساهم في سد الفجوة بين التخطيط المركزي والتطبيق على أرض الواقع، وهو تحدٍ لطالما واجه المنظومة التعليمية.
تؤكد الوزارة أن هذه الجهود تندرج ضمن استراتيجية أوسع للتطوير المهني المستمر للعاملين بالتعليم العام، بهدف ضمان جودة العملية التعليمية وتحقيق نواتج تعلم حقيقية تتوافق مع معايير الأداء العالمية. في النهاية، يبقى السؤال حول مدى قدرة هذه البرامج على إحداث تغيير ملموس وشامل في ثقافة التقييم داخل المدارس المصرية، وهو ما ستكشفه الأيام القادمة، لكنها بالتأكيد خطوة في الاتجاه الصحيح نحو تعليم أفضل لأبنائنا.









