طيران ناس: نمو مستمر رغم التحديات الجيوسياسية وأزمة المحركات العالمية
الناقل الاقتصادي السعودي يواصل التوسع بتمويل مرن ومبادرات لخفض التكاليف، مستهدفًا قطاع الحج والعمرة الحيوي.

تتطلع شركة طيران ناس، الناقل الاقتصادي السعودي الرائد، إلى مواصلة تحقيق نمو في أرباحها خلال الأعوام المقبلة، في خضم بيئة تشغيلية معقدة وتحديات عالمية وإقليمية. هذا التفاؤل، الذي عبر عنه الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب للشركة، بندر المهنا، لـ”الشرق”، يستند إلى استراتيجية تمويل مرنة وخطط توسعية طموحة، رغم الضغوط التي واجهتها الشركة مؤخرًا.
كشف المهنا أن توقعات المحللين لأداء الربع الثالث، والتي كانت تشير إلى نتائج أفضل، أغفلت تأثير ثلاثة عوامل رئيسية: التوترات الجيوسياسية في المنطقة التي أدت إلى تراجع الحجوزات والمسافرين في يوليو، وتكاليف إيجار الطائرات المتوقفة مؤقتًا بسبب مشكلات في المحركات، بالإضافة إلى فرض رسوم جديدة بواقع 30 ريالًا على التذاكر الدولية للرحلات المغادرة من المطارات السعودية. هذه العوامل مجتمعة شكلت ضغطًا كبيرًا على هوامش الربح.
ورغم هذه التحديات، تمكنت طيران ناس من تحقيق نتائج “قوية”، بحسب المهنا، حيث نمت الأرباح بنسبة 15% على أساس سنوي، وارتفعت الإيرادات 6%، وزادت أعداد المسافرين 15% لتصل إلى 4.2 مليون مسافر خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في سبتمبر الماضي. هذه الأرقام تؤكد مرونة الشركة وقدرتها على التكيف مع الظروف الصعبة، مما يعكس كفاءة الإدارة التشغيلية في التعامل مع المتغيرات.
استراتيجية تمويل مرنة لتوسعة الأسطول
تعتمد طيران ناس على استراتيجية تمويل ثنائية المسار لتلبية احتياجات توسعة أسطولها، تجمع بين البيع وإعادة الاستئجار، والتمويل عبر الديون. وقد تم تمويل ثلاث طائرات مؤخرًا عبر قرض من بنك الجزيرة، بينما سيتم تمويل أربع طائرات أخرى عبر البيع وإعادة الاستئجار. هذه المرونة في التمويل تتيح للشركة الحفاظ على سيولة نقدية جيدة وتوزيع المخاطر، وهو أمر حيوي في قطاع الطيران الذي يتطلب استثمارات رأسمالية ضخمة.
وفي سياق متصل، كشف المهنا عن مبادرات لخفض التكاليف تستهدف زيادة معدل استغلال الطائرات لتقليل تكلفة المقعد المتاح لكل كيلومتر، بالإضافة إلى مفاوضات مع موردين للخدمات الأرضية وخدمات التموين والصيانة داخل وخارج المملكة. يُرجّح مراقبون أن هذه المبادرات ستعزز من تنافسية الشركة وتدعم استراتيجيتها للنمو المستدام، خاصة وأنها تهدف إلى تقليص النفقات التشغيلية بشكل فعال.
مواجهة أزمة المحركات العالمية وتوطين الخدمات
أوضح المهنا أن تأخر توريد محركات الطائرات ليس مشكلة فردية تواجهها طيران ناس، بل هي أزمة عالمية أثرت على شركات الطيران كافة، وتسببت في خروج عدد كبير من الطائرات من الخدمة. لمواجهة هذا التحدي، لجأت الشركة إلى إبرام اتفاقيات إيجار شامل لتوفير طائرات بديلة تضمن استمرارية التشغيل والحفاظ على حصتها السوقية، مع توقع حل الأزمة بشكل كامل بحلول الربع الأول من عام 2026.
في خطوة استراتيجية لتعزيز الكفاءة وخفض التكاليف على المدى الطويل، أشار المهنا إلى قرب توقيع اتفاق لإنشاء مركز لتدريب الطيارين داخل المملكة، بدلًا من الاعتماد الكلي على التدريب الخارجي. هذا المركز لن يخدم كوادر طيران ناس فحسب، بل قد يفتح آفاقًا لتدريب طيارين من شركات أخرى، إضافة إلى خطط لتقديم خدمات الصيانة محليًا، مما يساهم في توطين الصناعة وتقليص النفقات التشغيلية بشكل كبير.
الحج والعمرة: ركيزة أساسية للنمو المستقبلي
يُعد قطاع الحج والعمرة من أهم القطاعات التي تركز عليها طيران ناس، حيث عقدت صفقة لطائرات عريضة البدن مع إيرباص، من المقرر استلامها مطلع 2027، لتدعم الطلب المتزايد على السفر في هذا القطاع الحيوي. وقد بدأت الشركة بالفعل بتشغيل وجهات جديدة لخدمة الحجاج والمعتمرين، مثل “جدة-موسكو” و”المدينة-بغداد”، مؤكدة أن استراتيجيتها تهدف إلى الحصول على حصة من مستهدف الحكومة السعودية ووزارة الحج برفع عدد المعتمرين إلى 30 مليون حاج ومعتمر، وهو ما يتماشى مع رؤية المملكة 2030.
يُشير محللون اقتصاديون إلى أن تركيز طيران ناس على قطاع الحج والعمرة يمثل رهانًا استراتيجيًا ذكيًا، نظرًا للنمو المتوقع في هذا القطاع ضمن خطط المملكة لتنويع مصادر الدخل. “تُظهر طيران ناس قدرة ملحوظة على التكيف والنمو في ظل ظروف معقدة، مدعومة بملكية قوية من الأمير الوليد بن طلال وصندوق الاستثمارات العامة، مما يمنحها ميزة تنافسية لتعزيز مكانتها كلاعب رئيسي في سوق الطيران الإقليمي والدولي،” بحسب الدكتور خالد العتيبي، الخبير الاقتصادي في شؤون النقل الجوي.
في الختام، تعكس استراتيجية طيران ناس مزيجًا من الحصافة المالية والمرونة التشغيلية والطموح التوسعي. فبينما تواجه الشركة رياحًا معاكسة من التوترات الجيوسياسية وأزمات سلاسل الإمداد العالمية، فإنها تواصل تعزيز قدراتها التمويلية والتشغيلية، مستفيدة من مبادرات توطين الخدمات والتركيز على قطاعات النمو الواعدة كالحج والعمرة، مما يؤهلها لتعزيز مكانتها كقوة دافعة في قطاع الطيران السعودي والإقليمي.







