حرب أحواض السفن.. كيف تخطط واشنطن لكسر الهيمنة الصينية على البحار؟
ترمب يفتح جبهة جديدة ضد بكين.. رسوم الموانئ تشعل صراعاً بحرياً عالمياً

في خطوة تصعيدية جديدة ضمن الحرب التجارية الأوسع، تتجه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب نحو فرض رسوم جمركية ضخمة على السفن المرتبطة بالصين، في محاولة طموحة لإحياء صناعة بناء السفن الأمريكية التي غابت عن الساحة العالمية لعقود طويلة.
التصعيد الجديد
اعتباراً من 14 أكتوبر، ستواجه السفن التي تملكها أو تديرها كيانات صينية، أو حتى تلك التي تم بناؤها في الصين وتديرها شركات أجنبية، رسوماً قد تُفرض عليها حتى خمس مرات سنوياً عند دخولها الموانئ الأمريكية. هذه الرسوم، التي تعتمد على سعة الحمولة أو عدد الحاويات، من المقرر أن ترتفع تدريجياً كل عام حتى 2028، مما قد يكلف بعض شركات الشحن مليارات الدولارات سنوياً.
هذه الخطوة لم تمر دون رد، حيث سارعت بكين إلى فرض رسوم مماثلة على السفن الأمريكية التي ترسو في موانئها، مما ينذر بتصعيد قد يؤثر على حركة التجارة العالمية. ويكمن الخطر الأكبر في أن هذه التكاليف الإضافية قد يتم تمريرها في نهاية المطاف إلى المستهلك الأمريكي، مما يزيد من الضغوط التضخمية ويقلل الطلب على الواردات، بينما يظل تأثيرها على إنعاش صناعة بناء السفن الأمريكية محل شك.
لماذا الآن؟
لا يمكن فصل هذه الخطوة عن سياق أوسع من المخاوف الأمريكية المتزايدة تجاه النفوذ الصيني في قطاع الشحن. فقبل عودة ترمب، كانت إدارة الرئيس جو بايدن قد بدأت تحقيقاً في أبريل 2024 خلص إلى أن هيمنة الصين على القطاع تحققت بوسائل غير عادلة، مما يضعف سلاسل التوريد العالمية ويجعلها رهينة مورد واحد. استغلت إدارة ترمب نتائج هذا التحقيق كذريعة لفرض إجراءاتها العقابية.
هذه المواجهة لا تقتصر على مجرد رسوم جمركية، بل تعكس تحولاً أعمق في الاستراتيجية الأمريكية تجاه الصين، حيث لم يعد يُنظر إلى الاعتماد الاقتصادي على بكين كفرصة، بل كتهديد مباشر. فإلى جانب الأهداف الاقتصادية المتمثلة في إعادة التصنيع وخلق الوظائف، هناك دافع استراتيجي أكثر أهمية: تعزيز الأمن القومي عبر تقليل الاعتماد على الصين، وتوفير أسطول تجاري أمريكي يمكن استدعاؤه في أوقات الأزمات.
تاريخ من التراجع
بلغت صناعة السفن الأمريكية ذروتها خلال الحرب العالمية الثانية، لكنها شهدت تراجعاً حاداً منذ ذلك الحين. الضربة القاضية جاءت في ثمانينيات القرن الماضي عندما أنهت إدارة رونالد ريغان الدعم الفيدرالي للقطاع، مما أدى إلى انهياره أمام المنافسة الأرخص من اليابان وكوريا الجنوبية. ومنذ ذلك الحين، أصبحت أحواض بناء السفن الأمريكية تعتمد بشكل شبه كامل على عقود البحرية، مع تركيز محدود على السفن التجارية للسوق المحلية المحمية بموجب قانون جونز لعام 1920.
في المقابل، بنت الصين هيمنتها بشكل منهجي منذ انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001. فمن خلال خطط خمسية ودعم حكومي هائل قُدّر بنحو 132 مليار دولار بين 2010 و2018، تمكنت الصين من بناء قدرات إنتاجية ضخمة، مستفيدة من العمالة الرخيصة والوصول الميسر إلى المواد الخام، لتتحول من لاعب صغير إلى القوة المهيمنة عالمياً.
هل العودة ممكنة؟
السؤال المحوري هو ما إذا كانت هذه الرسوم كافية لتحفيز الطلب على السفن أمريكية الصنع. فبينما تقدم القواعد الجديدة إمكانية تعليق الرسوم لمدة ثلاث سنوات لمن يطلب بناء سفينة بديلة في أمريكا، تظل الحقيقة أن الولايات المتحدة تفتقر حالياً إلى القدرة على بناء السفن التجارية الضخمة بكفاءة. كما أن تكاليف العمالة والمواد المرتفعة تشكل عائقاً كبيراً أمام منافسة الشركات الآسيوية.
إن إعادة بناء صناعة بناء السفن الأمريكية هي عملية مكلفة وطويلة الأمد تتطلب استثمارات ضخمة واستقراراً سياسياً يتجاوز الدورات الرئاسية. فشركات الشحن تخطط على المدى الطويل، ولا يوجد ما يضمن أن الإدارات المستقبلية ستواصل سياسات ترمب، مما يجعل الاستثمار في أحواض بناء السفن الأمريكية مغامرة محفوفة بالمخاطر في ظل الهيمنة الصينية الراسخة.








