اقتصاد

هدنة تجارية بين واشنطن وبكين: مكاسب مؤقتة تخفي خلافات عميقة

تفاصيل الاتفاق التجاري المرتقب بين ترمب وشي جين بينغ.. هل تنجح القمة في حل الأزمة أم أنها مجرد مسكنات للأسواق؟

صحفية في قسم الاقتصاد بمنصة النيل نيوز، تتابع تطورات الأعمال والاستثمار وتحرص على تقديم معلومات دقيقة وموثوقة

تتجه أنظار العالم إلى القمة المرتقبة بين الرئيسين الأمريكي دونالد ترمب والصيني شي جين بينغ، وسط استعدادات للإعلان عن حزمة من التفاهمات التجارية التي تهدف لتهدئة الأسواق. لكن خلف هذه المكاسب الدبلوماسية السريعة، تكمن خلافات جوهرية عميقة قد تعصف بالهدوء المؤقت في أي لحظة، مما يجعل أي اتفاق تجاري أمريكي صيني محفوفًا بالمخاطر.

أعرب الرئيس ترمب عن تفاؤله الكبير بالتوصل إلى اتفاق مع الصين، خاصة بعد إعلان المسؤولين عن مجموعة تفاهمات لخفض التوتر. من المرجح أن تشمل هذه التفاهمات استئناف بكين شراء فول الصويا من الولايات الأمريكية ذات الثقل الجمهوري، مقابل تراجع واشنطن عن تهديدها بفرض رسوم جمركية بنسبة 100%، وضمان الحصول على إمدادات المغناطيسات الأرضية النادرة الحيوية من الصين.

تفاؤل حذر في الأسواق

استجابت أسواق الأسهم العالمية بشكل إيجابي لهذه الأنباء، حيث سجل مؤشر “إم إس سي آي” مستويات قياسية. ومع ذلك، يحذر مراقبون من أن الاتفاق الذي يجري إعداده يتجاهل القضايا الشائكة، فالخلافات العميقة حول الأمن القومي والمنافسة التكنولوجية لم تُطرح على الطاولة، كما أن هدف ترمب الرئيسي بعلاج الخلل في الميزان التجاري يبدو صعب المنال في ظل القيود المشددة على الاستثمار الصيني في الولايات المتحدة.

يشير هذا النهج إلى استراتيجية تهدف إلى تحقيق مكاسب سياسية وإعلامية سريعة، مع تأجيل المواجهة الحقيقية حول القضايا التي تحدد شكل العلاقة بين أكبر اقتصادين في العالم. يرى سون تشنغهاو، الباحث بجامعة تسينغهوا، أن “تحقيق المكاسب السهلة يترك الخلافات الصعبة عالية المخاطر للنهاية”، مرجحًا أن الحل الشامل يتطلب معالجة قضايا الدعم الحكومي والمنافسة التكنولوجية، وهو ما قد يستغرق سنوات من الحوار.

ملفات عالقة على طاولة المفاوضات

خلال المحادثات، تجاهلت بكين دعوات وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت لإعادة توازن اقتصادها عبر تحفيز الإنفاق المحلي. وبدلاً من ذلك، أصدرت وثيقة سياسات تؤكد على الصناعة والاكتفاء الذاتي التكنولوجي كمحركات للاقتصاد حتى عام 2030، في رسالة واضحة على تمسكها بنموذجها الاقتصادي الذي تعتبره واشنطن أساس المشكلة. وتأتي هذه التطورات بينما يحاول ترمب حشد حلفاء إقليميين في آسيا لتشكيل ثقل موازن للصين.

فيما يلي أبرز القضايا المطروحة ضمن الاتفاق التجاري الأمريكي الصيني المرتقب:

  • الرسوم على السفن: من المحتمل تخفيف الرسوم المتبادلة التي فُرضت في أكتوبر على السفن التجارية.
  • شراء فول الصويا: تعهدت الصين باستئناف شراء كميات كبيرة من فول الصويا الأمريكي، وهو مطلب حيوي للولايات الزراعية الأمريكية.
  • مكافحة الفنتانيل: تم التوصل إلى توافق قد يؤدي إلى إلغاء أو خفض الرسوم الأمريكية العقابية المفروضة على الصين بسبب صادرات المواد المستخدمة في تصنيع المخدر.
  • قيود التصدير والمعادن النادرة: قد تؤجل الصين قيودها على تصدير المعادن النادرة لمدة عام، لكن القيود الأمريكية على الشركات الصينية لا تزال قائمة، مما يبقي على أحد أهم أسباب التوتر.
  • تطبيق تيك توك: لا تزال المحادثات جارية لفصل عمليات التطبيق في الولايات المتحدة عن الشركة الأم في بكين، وهي قضية حساسة تتعلق بالأمن القومي.

استقرار مؤقت أم حل مستدام؟

شهدت العلاقات الثنائية خلال فترة ترمب تذبذبًا حادًا بين التصعيد والمحادثات، وهو نمط حذرت منه وسائل الإعلام الصينية الرسمية، داعيةً إلى حماية “الإنجازات التي تحققت بشق الأنفس”. فبينما تسعى بكين لترسيخ آلية تشاور مستقرة، أدت القيود التي تفرضها جهات أمريكية خارج هذه الآلية إلى زعزعة الثقة مرارًا، ودفعت الصين لاستخدام ورقة المعادن النادرة للرد.

يرى دانييل كريتنبرينك، مساعد وزير الخارجية الأمريكي السابق، أن “كلا الجانبين يركز الآن على الاستقرار، لكن الأسس الجوهرية للعلاقة لم تتغير”. هذا يعني أن أي خرق أمريكي للهدنة قد يعيد الأمور إلى نقطة الصفر، خاصة مع تأكيد واشنطن أن التراجع عن قيود التصدير التكنولوجي ليس مطروحًا للنقاش، وهو ما يطرح تساؤلاً حول المقابل الذي سيحصل عليه الرئيس شي جين بينغ.

في النهاية، يبدو أن الاتفاق التجاري الأمريكي الصيني يركز على قضايا ضيقة ومحددة، متجاهلاً الأسئلة الأوسع حول السياسة الصناعية للصين والنظام الاقتصادي العالمي. وكما يقول سكوت كينيدي، المستشار في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، فإن “القضايا الكبرى وُضعت جانبًا”، مما يشير إلى أن هذه الهدنة قد تكون مجرد استراحة قصيرة قبل جولة جديدة من الحرب التجارية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *