ذكرى 7 أكتوبر: كيف تبخرت حياة الغزيين في عامين من الحرب؟

“كانت الكهرباء تصل 6 ساعات فقط، والناس تشتكي باستمرار، والأخبار سيئة، والجو محبط وكئيب.. لكن رغم كل ذلك، كانوا قادرين على التأقلم واعتباره طبيعياً، فالحصار والفقر علّمهم الكثير”. هكذا تصف الصحفية الفلسطينية عبير أيوب الحياة في قطاع غزة قبل أن ينقلب كل شيء رأساً على عقب في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، اليوم الذي غير وجه القطاع إلى الأبد.
للحصول على الكهرباء، لجأ الناس إلى اشتراكات المولدات، وكانت أبسط الأشياء تُباع بالقطعة، من أكياس الشاي إلى حفاظات الأطفال. حياة قاسية، لكن أهل القطاع كانوا يعتبرونها “طبيعية” مقارنة بما تلاها. فبعد هجوم “طوفان الأقصى” الذي شنته حماس وأسفر عن مقتل نحو 1200 إسرائيلي واحتجاز 240 آخرين، شنت إسرائيل هجوماً غير مسبوق حوّل غزة إلى مكان آخر، مكان تحصي فيه الأرواح بعشرات الآلاف.
بعد عامين من ذلك اليوم، كيف يتذكر الفلسطينيون بداية الكارثة؟ وكيف انهار مجتمع بأكمله كان يحاول البقاء على قيد الحياة بصعوبة، ليجد نفسه يصارع من أجل البقاء؟ شهادات من قلب المعاناة ترسم صورة الواقع المرير في ذكرى 7 أكتوبر الأليمة.
من “كيس الشوكولاتة” إلى شبح المجاعة
في أغسطس/آب 2025، أعلنت هيئة أممية أن المجاعة في مدينة غزة باتت أمراً مؤكداً، في تقرير وصفته إسرائيل بـ”الكاذب”. هذا الإعلان جاء تتويجاً لحصار خانق فُرض بعد الحرب، ضاعف من وطأة حصار مستمر منذ 2007. ورغم السماح بدخول كميات محدودة من المساعدات لاحقاً، ظل الوضع الإنساني في غزة كارثياً.
تتذكر الشابة ربى (25 عاماً) كيف كانت الحياة قبل الحرب: “بالنسبة للطعام، الحمد لله، ما في شيء كان يخطر على بالي، ما كنت أقدر أشتريه”. تصف كيف كانت الأسواق مليئة بالمنتجات المستوردة، وكيف كان “كيس كبير من الحلويات” يُشترى بمبلغ زهيد. كان كيس الطحين متوفراً في كل بيت، أما اليوم، فالحصول عليه مغامرة قد تنتهي بالموت.

أحلام السفر.. أبواب أغلقتها الحرب
مع مرور عامين على الحرب، أصبح الخروج من غزة شبه مستحيل. قبل ذلك، ورغم القيود، كان هناك بصيص أمل. يشير تقرير لـمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) إلى أن عام 2022 شهد خروج أكبر عدد من الفلسطينيين من القطاع منذ سنوات، سواء للعمل في إسرائيل أو عبر معبر رفح إلى مصر.
كان السفر ممكناً، وإن كان صعباً. تقول عبير أيوب إن الحصول على الموافقات كان يستغرق أسابيع أو شهوراً، لكن الباب لم يكن مغلقاً تماماً. اليوم، أصبح القطاع سجناً كبيراً ومفتوحاً، لا يغادره إلا من حالفه حظ نادر أو دفع ثمناً باهظاً لمعاناة الفلسطينيين المستمرة.
تعليم تحت الأنقاض ومستقبل ضبابي
لم تسلم مؤسسة من الدمار في غزة، وعلى رأسها التعليم. مئات المدارس والجامعات سويت بالأرض، ليتحول حلم التعليم إلى كابوس. تصف ربى كيف أصبحت المدارس اليوم مجرد “خيم” مدعومة من منظمات دولية أو بجهود شخصية، حيث تسير الأمهات مسافات طويلة ليحصل أطفالهن على فتات من المعرفة.
آية (23 عاماً) كانت تنتظر تخرجها بامتياز في نفس يوم بدء الحرب. تقول بحسرة: “كنتُ أنتظر تلك اللحظة التي يُنادَى فيها على اسمي، ولكنّ الحرب أفسدت جميع أحلامي”. أما سعاد، التي فقدت زوجها في الحرب، فتقول إن أولادها “دُمروا نفسياً” وخسروا عامين دراسيين، لتضيف: “على مستوى شخصي… فقد انتكبنا”.

كانت البطالة مرتفعة بالفعل قبل حرب غزة، حيث بلغت 45% عام 2022، لكن كان هناك عمل. ربى كانت تملك متجراً للملابس، وشباب كثر كانوا يعملون سائقين. اليوم، لم يعد هناك عمل ولا بيوت ولا أرض. تقول ربى: “الحياة الآن بعد سنتين من الحرب صارت حياة تشرد… حتى الواحد مش عارف إذا بقدر يرجع على الشمال أو لا”.
نظام صحي يلفظ أنفاسه الأخيرة
من بين 36 مستشفى كانت تعمل في القطاع، لم يتبق سوى 14 تعمل بشكل جزئي، وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، التي حذرت مراراً من أن النظام الصحي في غزة “على حافة الانهيار”. الحصول على دواء بسيط أصبح رحلة عذاب، وهو ما تؤكده ربى في بحثها عن أدوية لوالدها: “بنروح على العيادات، بنروح على الوكالة (الأونروا)… بلا نتيجة”.
شيماء (41 عاماً)، التي تعاني من إعاقة بصرية، تدهور نظرها بشكل حاد بسبب التلوث والغبار الناتج عن القصف، ولم تتمكن من الحصول على علاج. تروي رحلة نزوحها المرعبة من خان يونس إلى رفح تحت الرصاص، لتصل وتجد “كارثة” أخرى من التشرد والجوع.
“لماذا نُحاسب نحن وحدنا؟”
عندما سُئل الصحفي وائل الدحدوح إن كان يتمنى عدم وقوع هجوم 7 أكتوبر، أجاب بأن اختصار المشهد الفلسطيني في هذه اللحظة هو “ظلم وإجحاف”، مذكراً بأن حياة الغزيين لم تكن “وردية” أبداً تحت الحصار الإسرائيلي. وهو ما يؤكده المحلل السياسي مصطفى إبراهيم، الذي يرى أن الفلسطينيين “فقدوا كل شيء” ولم يعد أمامهم سوى محاولة “البقاء على قيد الحياة”.
في الذكرى الثانية، تتكثف كل هذه المعاناة في سؤال ربى الذي يتردد صداه في أنقاض غزة: “ما حدث كان كارثة عظيمة جداً حلّت بالشعب الفلسطيني… لماذا نُحاسب نحن (أهل غزة)، منذ سنوات، وحدنا؟”. سؤال يترك الباب مفتوحاً على مستقبل مجهول لقطاع محطم، وشعب يبحث عن معنى للحياة وسط الدمار.








