الأخبار

جمال عبد الناصر: حكاية زعيم من صعيد مصر غيّر وجه الأمة العربية

لم يكن مجرد رئيس مرّ في تاريخ مصر، بل كان حلماً يسير على قدمين، وصوت البسطاء الذي انطلق من حي باكوس المتواضع بالإسكندرية ليهز أركان العالم. حكاية جمال عبد الناصر هي قصة أمة بأكملها، بحثت عن كرامتها فوجدتها في ملامح ابن الصعيد الذي آمن بأن العدالة الاجتماعية ليست شعارًا، بل حق أصيل لكل إنسان.

من أزقة الإسكندرية إلى مقاعد الدراسة.. بذرة الثورة

في 15 يناير 1918، وقبل أن تشتعل ثورة 1919 بعام واحد، وُلد جمال في بيت والده البسيط، وكيل مكتب البريد، بحي باكوس في الإسكندرية. كانت أصوله الصعيدية من قرية بني مر بأسيوط تتدفق في عروقه، حاملة معها صلابة الأرض وشموخ النخيل. نشأ متنقلاً بين مدن مصر بحكم عمل والده، من أسيوط إلى الخطاطبة، ومن ثم إلى القاهرة، حيث عاش في كنف عمه بحي الجمالية العريق.

كانت طفولته تحمل في طياتها مأساة مبكرة، ففي عام 1926، توقفت رسائل أمه التي كانت تصله بانتظام، ليكتشف عند عودته أنها رحلت عن الدنيا بعد ولادة شقيقه الأصغر. هذا الفقد العميق ترك في نفسه أثراً لم يُمحَ، وربما كان دافعاً خفياً نحو البحث عن وطن كبير يحتضن الجميع. شرارة الوعي السياسي الأولى انطلقت في ميدان المنشية بالإسكندرية، حين وجد نفسه، الفتى الصغير، مندفعاً وسط مظاهرة لجمعية مصر الفتاة تندد بالاستعمار وقرارات إسماعيل صدقي بإلغاء الدستور. لم يكن يعلم مطالبهم بالتحديد، لكنه شعر بالغضب، وفي تلك الليلة التي قضاها محتجزاً، وُلد الثائر الذي سيغير التاريخ.

الطريق إلى الكلية الحربية

لم يكن طريقه إلى الحياة العسكرية مفروشاً بالورود. حين تقدم إلى الكلية الحربية عام 1937، رفض طلبه بسبب سجله كـ”مُحرّض” في المظاهرات. لم يستسلم، فالتحق بكلية الحقوق، لكن حلم الضابط كان يراوده. بإصرار وعزيمة، تمكن من مقابلة وزير الحربية، ليُفتح له الباب الذي سيقوده إلى قلب الأحداث. هناك، داخل أسوار الكلية، التقى برفاق الدرب، عبد الحكيم عامر وأنور السادات، وبدأت نواة تنظيم “الضباط الأحرار” تتشكل بصمت.

فجر يوليو.. ميلاد الجمهورية

في ليلة 23 يوليو 1952، لم تكن القاهرة على موعد مع يوم جديد فحسب، بل مع تاريخ جديد. قاد جمال عبد الناصر ورفاقه من الضباط الأحرار حركة أنهت قروناً من الملكية، وأجبرت الملك فاروق على الرحيل، لتشرق شمس الجمهورية على مصر. سريعاً، برز عبد الناصر كقائد فعلي للثورة، وبحلول عام 1954، أصبح رئيساً لمصر، حاملاً على عاتقه أحلام الملايين في التحرر والعدل.

لم تكن ثورة يوليو 1952 مجرد تغيير سياسي، بل كانت ثورة اجتماعية شاملة. أصدر قوانين الإصلاح الزراعي التي انتزعت الأرض من الإقطاعيين وأعادتها للفلاحين الأُجراء، ليتحولوا إلى مُلّاك لأول مرة في تاريخهم. لقد كانت هذه الخطوة هي حجر الزاوية في مشروع العدالة الاجتماعية الذي تبناه.

إنجازات صنعت تاريخًا

كان إيمان عبد الناصر عميقاً بأن بناء الأمة يبدأ من بناء الإنسان. لذا، جعل التعليم مجانياً في كل مراحله، من المدرسة الابتدائية حتى الجامعة، ففتح أبواب المستقبل أمام أبناء الفلاحين والعمال الذين كانوا محرومين منه. وفي موازاة ذلك، أطلق مشروعاً صناعياً وطنياً ضخماً، فكانت مصانع الحديد والصلب وغيرها من القلاع الصناعية، وصولاً إلى المشروع الحلم: السد العالي، الذي لم يكن مجرد سد لحماية مصر من الفيضان وتوليد الكهرباء، بل كان رمزاً للإرادة الوطنية والتحدي.

  • توزيع الأراضي على الفلاحين: تحديد الملكية الزراعية وإنهاء عصر الإقطاع.
  • مجانية التعليم: إتاحة الفرصة للجميع دون تمييز طبقي.
  • التصنيع الوطني: بناء قاعدة صناعية قوية لتحقيق الاكتفاء الذاتي.
  • تأميم قناة السويس: استعادة شريان مصر الحيوي إلى سيادتها الوطنية في قرار تاريخي عام 1956.

صوت العرب.. من المحيط إلى الخليج

تجاوز تأثير عبد الناصر حدود مصر ليصبح زعيماً للأمة العربية بأسرها. رفع شعار القومية العربية، مؤمناً بأن قوة العرب تكمن في وحدتهم. كانت الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا عام 1958 تجسيداً لهذا الحلم، ورغم أنها لم تدم طويلاً، إلا أنها بقيت شعلة في وجدان الأجيال. وقف بكل قوة مع حركات التحرر في الجزائر واليمن، واعتبر القضية الفلسطينية قضية العرب المركزية، مردداً مقولته الشهيرة: “ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة”.

الرحيل الأخير لزعيم الأمة

كانت هزيمة 1967 جرحاً غائراً في قلب عبد الناصر والأمة. تحمل المسؤولية كاملة وأعلن تنحيه، لكن الملايين خرجت في الشوارع ترفض رحيله وتطالبه بالبقاء، في مشهد فريد من التلاحم بين قائد وشعبه. عاد ليقود حرب الاستنزاف التي أعادت للجيش المصري كرامته وثقته، ومهدت الطريق لنصر أكتوبر المجيد.

في أيامه الأخيرة، كان يحمل هموم الأمة كلها. استنزف جهده في قمة القاهرة عام 1970 لوقف نزيف الدم في الأردن بين الجيش الأردني والمقاومة الفلسطينية. عاد إلى منزله منهكاً، وفي 28 سبتمبر 1970، توقف قلب الزعيم فجأة. خرجت الملايين في جنازة مهيبة لم يشهد التاريخ لها مثيلاً، تبكي رجلاً لم يكن رئيساً فقط، بل كان أباً، وحلماً، ورمزاً للكرامة الوطنية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *