ترمب يثير الجدل: ‘وزارة الحرب’ تعكس تناقضات أمريكا بين السلام والقوة

في خطوة أثارت جدلاً واسعاً، كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قد وقع أمراً تنفيذياً رمزياً يقضي بإعادة تسمية وزارة الدفاع إلى “وزارة الحرب”. هذا الإجراء، وإن كان شكلياً، يأتي ليسلط الضوء على تناقض صارخ بين الخطاب الرئاسي الذي يدعو إلى تحقيق السلام وإنهاء الصراعات، وبين الممارسات الفعلية التي تؤكد على إبراز القوة العسكرية الصارمة.
وترى الصحيفة أن هذا التغيير يعكس تناقضات عميقة في فترة رئاسة ترمب وصورته أمام الرأي العام العالمي، فبينما يطمح لنيل جائزة نوبل للسلام، يدفع في الوقت ذاته نحو استخدام أكثر عدوانية للقوة العسكرية الأمريكية.
ولم تكن هذه الخطوة بمعزل عن تصريحات ترمب المثيرة، فقد ألمح في منشور له عبر منصات التواصل الاجتماعي، صباح يوم السبت، إلى نيته شن “حرب” على مدينة شيكاغو، مهدداً بحملة صارمة لمواجهة الهجرة. وكتب ترمب حينها أن شيكاغو “ستعرف قريباً لماذا تُسمى وزارة الحرب“، مُرفقاً تدوينته بثلاث أيقونات لطائرات مروحية.
وفيما يتعلق بكيفية التوفيق بين هذه التسمية وسعيه المعلن للسلام، لم يرَ ترمب أي تعارض، مؤكداً: “أعتقد أنني حققت السلام لأننا أقوياء”، وزاعماً أنه تمكن من إنهاء ما لا يقل عن سبع حروب.
ترمب يبرر: رسالة قوة للحلفاء والأعداء
وبرر ترمب قراره بإعادة هذا الاسم القديم، الذي كان يُستخدم لوكالة الدفاع الوطنية حتى ما بعد الحرب العالمية الثانية، قائلاً إنه “يعكس قدرات البلاد القتالية بشكل أفضل، ويوجه رسالة نصر واضحة لكل من الحلفاء والأعداء على حد سواء”.
وأشار الرئيس، الذي حصل على خمسة إعفاءات من التجنيد خلال حرب فيتنام لأسباب صحية منها “نتوءات عظمية”، إلى أن الولايات المتحدة “لم تقاتل لتنتصر” في أي حرب بعد الحرب العالمية الثانية، وهو الوقت الذي غيّر فيه الكونغرس اسم وزارة الحرب إلى وزارة الدفاع.
من جانبهم، يرى المنتقدون أن إعادة التسمية هذه قد فضحت “النفاق” الكامن وراء وعود ترمب بإحلال السلام. وعلق مات دوس، نائب الرئيس التنفيذي لمركز السياسة الدولية الليبرالي، قائلاً: “لقد ترشح ترمب كمرشح مناهض للحرب، لكنه أثبت العكس تماماً. هذه الحيلة تؤكد أن اهتماماته تنصب على الاستعراض العدواني أكثر من صنع السلام الحقيقي، الأمر الذي قد يحمل عواقب وخيمة على الأمن الأمريكي، والمكانة العالمية، وسلامة قواتنا المسلحة”.
وبالنظر إلى أن الكونغرس وحده يمتلك سلطة تغيير أسماء الوزارات رسمياً، فإن هذا اللقب يظل ذا طابع شكلي لحين صدور قانون بذلك. ومع ذلك، أصدر ترمب توجيهات للحكومة الفيدرالية بالاعتراف به كـ”اسم ثانوي”، بالإضافة إلى جعل لقب “وزير الحرب” لقباً ثانوياً إلى جانب “وزير الدفاع”.
وقد حظي هذا الإجراء، وفقاً لـ“نيويورك تايمز”، بدعم بعض الجمهوريين في الكونغرس، حيث أشاد السيناتور ماركواين مولين من أوكلاهوما وعضو لجنة القوات المسلحة، بترمب قائلاً إنه “ينهي الحروب ولا يبدأها”، مؤكداً أن إعادة التسمية “تعكس جدية مهمة الأمن القومي هذه، وعودة إلى تاريخنا العسكري المجيد”.
تحول في العقيدة العسكرية من الدفاع إلى الهجوم
وفي سياق متصل، أشار العقيد لاري ويلكرسون، الذي شغل منصب رئيس أركان وزير الخارجية الأسبق كولن باول، إلى أن تغيير الاسم يبرز بوضوح تحولاً في نهج الجيش الأمريكي، من الدفاع إلى الهجوم. وقد تجلى هذا التوجه، بحسب “نيويورك تايمز”، في الضربة المميتة التي استهدفت قارباً زعمت السلطات الأمريكية أنه كان ينقل مهربي مخدرات فنزويليين.
ولفت ويلكرسون إلى أن ترمب استخدم الجيش في تلك العملية بطريقة تفتقر إلى أساس قانوني واضح أو سابقة، وفقاً لخبراء في قوانين الحرب وصلاحيات السلطة التنفيذية. كما أضاف أن توقيت تغيير الاسم كان ذا دلالة خاصة، خاصة بعد اجتماع قادة الصين وروسيا والهند وكوريا الشمالية في قمة صينية دون حضور الولايات المتحدة، ما يعكس، على حد قوله، أن الولايات المتحدة “تتباهى بقوتها في وقت تتراجع فيه هذه القوة أمام أنظار الجميع”.
وتأتي إعادة التسمية هذه في وقت يعلن فيه ترمب سعيه للقضاء على الإنفاق الحكومي غير الضروري، وهو ما أسفر بالفعل عن تخفيضات كبيرة شملت وزارة الدفاع نفسها. وفي هذا الصدد، يرى ويليام دي. هارتونج، الباحث البارز في معهد كوينسي للدراسات الحكومية المسؤولة والمتخصص في صناعة الأسلحة والميزانية العسكرية الأمريكية، أن عملية إعادة التسمية ستكلف الملايين من الدولارات على الأقل.
وأوضح هارتونج أن “هذا يتعارض مع فكرة الكفاءة والتركيز على القتال، لأن الأمر برمته لا يعدو كونه حملة علاقات عامة“. وأضاف: “إنها مبالغ ضئيلة مقارنة بميزانية البنتاغون الضخمة، لكنها أموال كان بالإمكان استغلالها في مشاريع حقيقية وذات قيمة في مجالات أخرى”. وعندما سُئل ترمب يوم الجمعة عن مخاوفه بشأن تكاليف هذه العملية في ظل تخفيضات البنتاغون، أجاب باقتضاب أن التكلفة لن تكون “الأكثر كلفة”.











