قمة شنغهاي.. رسائل قوية ضد الهيمنة وخطط لبناء نظام عالمي جديد

اختتمت فعاليات قمة منظمة شنغهاي للتعاون في مدينة تيانجين الصينية، تاركةً وراءها سلسلة من الرسائل السياسية المهمة التي هزّت الساحة الدولية. فقد رفضت القمة، وبشكلٍ واضح، عقلية الحرب الباردة وسياسات الهيمنة، داعيةً إلى بناء نظام عالمي أكثر عدلاً قائم على التعددية.
الحوكمة العالمية
في سياقٍ ذي أهمية بالغة، طرح الرئيس الصيني شي جين بينج مبادرة جديدة للحوكمة العالمية، تهدف إلى بناء نظام عالمي أكثر عدلاً وإنصافاً وشمولاً. وتُعد هذه المبادرة هي الرابعة من نوعها التي يطلقها شي، بعد مبادرات التنمية العالمية، والأمن العالمي، والحضارة العالمية. وقد تضمنت المبادرة خمسة مبادئ أساسية، تتمثل في احترام المساواة في السيادة، والالتزام بالقانون الدولي، ودعم التعددية، والتركيز على الشعوب، واتخاذ إجراءات ملموسة.
أكد شي أن العالم يواجه تحديات متزايدة في ظل تصاعد عقلية الحرب الباردة والهيمنة، مشيراً إلى أن الحوكمة العالمية وصلت إلى مفترق طرق حاسم. من جانبه، أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تطابق وجهات النظر بين روسيا والصين بشأن تعزيز نظام عالمي عادل قائم على الأغلبية العالمية، مُشدداً على وقوف البلدين صفاً واحداً ضد العقوبات الغربية غير القانونية.
نبذ عقلية الحرب الباردة
أرسلت الصين، عبر القمة، رسالةً واضحة للغرب مفادها أن العالم لم يعد يتحمل عقلية الحرب الباردة وسياسات الهيمنة. أكد القادة على أن التعددية العادلة، والحوكمة متعددة الأطراف، والنظام الدولي القائم على سيادة القانون والعدل بين الدول، هي السبيل الوحيد لبناء نظام عالمي أكثر توازناً وإنصافاً.
دعا شي إلى نبذ عقلية الحرب الباردة، ورفض ممارسات الهيمنة، مؤكداً على أهمية التعاون عبر التعددية، والالتزام بالنظام الدولي القائم على الأمم المتحدة، وفقاً لوكالة أسوشيتد برس. كما شدد على ضرورة اعتماد نموذج عالمي متعدد الأقطاب، يقوم على المساواة بين الدول، ورفض الهيمنة الأحادية.
بنك منظمة شنغهاي
أعلن “إعلان تيانجين” التمسك بنظام تجاري متعدد الأطراف، منفتح وعادل، قائم على القواعد الدولية، يضمن وصولاً عادلاً للأسواق ومعاملة تفضيلية للدول النامية. وتعتزم الدول الأعضاء إنشاء مصرف تنمية لمنظمة شنغهاي للتعاون، والتعجيل بالمشاورات بشأن عمله.
شددت الدول الأعضاء على أهمية دور الاتحاد المصرفي للمنظمة، ودعت إلى تسوية مسألة انضمام المصارف الإيرانية. أكد بوتين دعم موسكو، إلى جانب الصين، لإصلاح صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، مُشيراً إلى ضرورة إنهاء استخدام التمويل كأداة للاستعمار الجديد.
اقترح الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان تعزيز السلام والتعاون الاقتصادي، داعياً إلى مسارين متوازيين: ضمان بيئة سلمية وتوسيع التعاون الاقتصادي، واقترح مبادرة لتعزيز التعاون المالي، تشمل استخدام العملات الوطنية، وتطوير بنية رقمية، وإنشاء صندوق لمبادلة العملات، بهدف تقليل الاعتماد على الدولار ومواجهة العقوبات.
التعاون في مجال الطاقة
أعربت الدول الأعضاء عن تأييدها لتوسيع التعاون في مجال الطاقة، وتعزيز مرونة سلسلة التوريد، وتشجيع التنمية المستدامة لسوق الطاقة العالمية. واعتمد الاجتماع بياناً بشأن التنمية المستدامة للطاقة، ووافق على خارطة طريق لتنفيذ استراتيجية التعاون في مجال الطاقة حتى عام 2030.
شددت الدول الأعضاء على تعزيز التعاون في مجالات أمن الطاقة، وحماية البنية التحتية، والتعاون الاستثماري، والتحول العادل في مجال الطاقة. وسيجري النظر في وضع خطة شاملة لتعزيز التعاون في مجال الطاقة المتجددة.
مخطط تنمية عالي الجودة
تعهد الرئيس الصيني بزيادة استثمارات بلاده وقروضها لشركائها، معلناً خطة لتعزيز منظمة شنغهاي. وأعلن عن تقديم منح بقيمة 2 مليار يوان (275 مليون دولار) هذا العام، و10 مليارات يوان إضافية كقروض خلال السنوات الثلاث المقبلة، حسبما نقلت بلومبرغ.
أشار شي إلى أن حجم التجارة بين الصين ودول المنظمة تجاوز 2.3 تريليون دولار، معلناً مضاعفة عدد المنح الدراسية الخاصة بالمنظمة، وإطلاق برنامج الدكتوراه التابع لها.
إدانة حرب إسرائيل على غزة
أعرب قادة القمة عن قلقهم العميق إزاء التصعيد المستمر للصراع الإسرائيلي الفلسطيني والوضع الإنساني في غزة، وأدانوا بشدة الأعمال التي أدت إلى سقوط ضحايا. وأكدوا أن التوصل إلى تسوية شاملة وعادلة للقضية الفلسطينية هو السبيل الوحيد لكفالة السلام والاستقرار في الشرق الأوسط.
أدانت الدول الأعضاء أيضاً بشدة الضربات الإسرائيلية على إيران وتدخل الولايات المتحدة، محذرة من أن هذه الأعمال العدائية تشكل انتهاكاً خطيراً لقواعد القانون الدولي ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة.
لقاءات استثنائية
شهدت القمة أكثر من 20 لقاءً ثنائياً رفيع المستوى، أبرزها اللقاء الأول من نوعه منذ 7 سنوات بين الرئيس شي جين بينج ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي. واتفق الجانبان على أن الصين والهند شريكان وليس خصمان، وأعلن مودي اتفاقاً لإدارة المناطق الحدودية المتنازع عليها واستئناف الرحلات الجوية.
كما أعلنت باكستان وأرمينيا إقامة علاقات دبلوماسية بينهما لأول مرة.
توسيع المنظمة
توسعت منظمة شنغهاي، التي تأسست عام 2001، لتضم 26 دولة، من بينها 10 أعضاء دائمين، ودول مراقبة، وشركاء في الحوار. وتدرس المنظمة طلبات عشرات الدول للانضمام.
مع وجود أسواق صاعدة ودول نامية رئيسية بين أعضائها، تمثل منظمة شنغهاي للتعاون تقريباً نصف سكان العالم وربع الاقتصاد العالمي، مما يعزز الروابط بين دول الجنوب خاصة في ظل سياسات العقوبات الأميركية والضغوط الجيوسياسية.











