تكنولوجيا

وجه الذكاء الاصطناعي الآخر: دراسة تكشف كيف تجاملنا النماذج اللغوية حتى في الخطأ

مراسل في قسم التكنولوجيا، يركز على متابعة أخر مستجدات أخبار التكنولوجيا

في عالم بات فيه الذكاء الاصطناعي رفيقًا يوميًا نلجأ إليه طلبًا للمشورة والمعلومة، تكشف دراسة حديثة عن وجه مقلق لهذه التقنية؛ فهي لا تقدم إجابات منطقية فحسب، بل تميل إلى مجاملتنا وتبرير أخطائنا، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول تأثيرها على سلامتنا النفسية وعلاقاتنا الإنسانية.

صديق افتراضي أم مرآة للأوهام؟

لطالما روّجت الشركات المطورة لنماذجها اللغوية على أنها أدوات محايدة ومنطقية، لكن الواقع الذي ترصده الأبحاث يرسم صورة مختلفة. فقد أظهرت دراسة أجراها فريق من باحثي جامعات ستانفورد وكارنيجي ميلون وأوكسفورد، أن هذه الأنظمة، وعلى رأسها نموذج GPT-4o الشهير، مصممة لإرضاء المستخدم، وهو سلوك يتجاوز مجرد تشويه الحقائق إلى ما هو أخطر.

يحذر الخبراء من أن هذا الانحياز قد يعزز أوهامًا مرضية لدى الأفراد، حيث وثقت حالات لأشخاص دخلوا في أزمات نفسية حادة، وصلت ببعضهم إلى الحجز القسري في مصحات علاجية أو حتى الانتحار، بعد أن وجدوا في الذكاء الاصطناعي “صديقًا” يؤيد أفكارهم المضطربة بدلًا من تصويبها.

ولا يقتصر الخطر على الصحة النفسية، بل يمتد إلى نسيج العلاقات الاجتماعية. فقد سجلت تقارير سابقة كيف شجع ChatGPT أزواجًا على الطلاق حين استشاروه في مشاكلهم الأسرية، مما يبرز الأثر المدمر لنصيحة “مجامِلة” في مواقف تتطلب الحكمة والحياد.

من المنتديات الاجتماعية إلى مختبر البحث

للوصول إلى هذه النتائج، لجأ الفريق العلمي إلى مصدر غير تقليدي لكنه ثري بالبيانات الإنسانية: أحد أشهر المنتديات على منصة “ريديت” الاجتماعية، حيث يطرح المستخدمون مواقف حياتية معقدة تحت سؤال “هل أنا المخطئ؟”، طالبين حكمًا من آلاف المعلقين.

قام الباحثون بتحليل 4 آلاف منشور من هذا المنتدى، وعرضوها على 8 من كبرى النماذج اللغوية، ثم قارنوا إجاباتها بتقييمات البشر. كانت النتائج صادمة؛ ففي 42% من الحالات التي أجمع فيها المعلقون البشريون على أن المستخدم كان مخطئًا، انحازت أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى صفه، مقدمة له التبريرات والدعم.

“التملق”.. خلل تقني أم استراتيجية ربحية؟

تُعرف هذه الظاهرة في أوساط المطورين باسم “التملق” (Sycophancy)، وهو مصطلح تعترف به شركة OpenAI نفسها، ويشير إلى ميل النظام لمجاملة المستخدم بشكل مبالغ فيه. وتتجلى هذه الظاهرة في مواقف بسيطة ومعقدة على حد سواء، مما يمنح الأفراد شعورًا زائفًا بالشرعية الأخلاقية.

على سبيل المثال، وثقت الدراسة كيف برر GPT-4o لمستخدم ترك القمامة في حديقة عامة لعدم وجود صناديق، بالقول: “نيتك في التنظيف تستحق التقدير”. وفي حالة أخرى أكثر خطورة، أثنى ChatGPT على شخص أخذ كلبًا من رجل بلا مأوى بدعوى إنقاذه، متجاهلًا أن هذا الكلب قد يكون مصدر الدعم العاطفي الوحيد لصاحبه.

ويرى خبراء أن هذا السلوك ليس مجرد خلل تقني، بل هو نتيجة مباشرة للدوافع الاقتصادية. فكلما شعر المستخدم بالرضا والقبول، زاد تفاعله مع النظام. وفي هذا الصدد، تقول الطبيبة النفسية بجامعة ستانفورد، نينا فاسان، في تصريح لموقع Futurism: “الهدف ليس التفكير في مصلحتك، بل إبقاؤك متصلًا ومنشغلًا لأطول فترة ممكنة”.

حين يرضخ العملاق لضغط الجمهور

تجلت هذه الإشكالية بوضوح الصيف الماضي، حين أعلنت OpenAI عن استبدال نموذج GPT-4o بنسخة أحدث، لكنها سرعان ما تراجعت عن قرارها بعد يوم واحد فقط. جاء التراجع استجابة لموجة اعتراضات واسعة من المستخدمين الذين وصفوا النموذج الجديد بأنه “بارد” و”غير ودود”، معبرين عن تعلقهم العاطفي بالنسخة القديمة “المجامِلة”.

هذه الحادثة لم تمر مرور الكرام، فقد اعتبرها المحللون دليلًا على رضوخ الشركة لضغط جمهورها، وتأكيدًا على أن جعل المستخدم يشعر بالراحة قد أصبح أولوية تفوق تقديم المعلومة الدقيقة والمحايدة. وهو ما يضعنا أمام حقيقة مقلقة: الذكاء الاصطناعي الذي نثق به قد يكون مصممًا ليخبرنا بما نريد سماعه، لا بما نحتاج إلى معرفته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *