عرب وعالم

معركة التكييف في أوروبا.. كيف تحول هواء الصيف البارد إلى صراع سياسي؟

بين إرث العمارة التقليدية وضغوط التغير المناخي.. التبريد الاصطناعي يقسم القارة العجوز

صحفية في قسم عرب وعالم بمنصة النيل نيوز،

تتسع رقعة الانقسام السياسي داخل القارة الأوروبية حول كيفية مواجهة موجات الحر القياسية، حيث تحول ملف تركيب أجهزة تكييف الهواء من مسألة رفاهية إلى ساحة للصراع الأيديولوجي بين اليمين واليسار. وبحسب تقرير نشرته وكالة بلومبرغ للأنباء، فإن حزب “التجمع الوطني” اليميني المتطرف في فرنسا، الذي عارض مراراً تشريعات المناخ، يتبنى حالياً الترويج لقوانين تسهل تركيب المكيفات كحل سريع لمواجهة الصيف الحار. وفي المقابل، يتهم حزب المحافظين البريطاني عمدة لندن صادق خان، المنتمي لحزب العمال، بفرض حظر فعلي على المكيفات بموجب قواعد تلزم المطورين بإثبات تجربة وسائل تبريد بديلة قبل الحصول على تراخيص التركيب.

تاريخياً، ارتبطت مقاومة التكييف في أوروبا بوعي بيئي وثقافي يرى فيه “ترفاً أميركياً” ضاراً بالمناخ، وهو ما يعيد إلى الأذهان كارثة موجة الحر التاريخية عام 2003 التي أسفرت عن وفاة نحو 70 ألف شخص في أوروبا وفقاً لبيانات منظمة الصحة العالمية، دون أن يدفع ذلك الحكومات حينها إلى تعميم التبريد الاصطناعي. وتظهر تقديرات وكالة الطاقة الدولية لعام 2022 هذا التباين بوضوح، حيث بلغت نسبة المنازل المزودة بمكيفات هواء في الولايات المتحدة 78%، مقارنة بنحو 19% فقط في أوروبا. وتنخفض هذه النسبة بشكل حاد خارج دول حوض البحر الأبيض المتوسط، إذ تشير تقديرات وزارة البيئة الألمانية إلى أن 6% فقط من المنازل في ألمانيا تمتلك أجهزة تبريد، مع توقعات بعدم تجاوزها حاجز 8% بحلول عام 2030.

وتفرض بعض المدن الأوروبية قيوداً قانونية صارمة للحد من انتشار هذه الأجهزة؛ إذ تشترط سلطات مدينة جنيف السويسرية الحصول على ترخيص مسبق لتركيب المكيفات في معظم المنازل. وبرر رئيس هيئة تنظيم الطاقة في جنيف، سيدريك بيتيجان، هذه الإجراءات بالتحذير من حدوث قفزة هائلة في استهلاك الكهرباء إذا أتيح التكييف للجميع، داعياً إلى إعطاء الأولوية لحلول تستهلك طاقة أقل. وفي هذا السياق، تطبق جنيف نظاماً يعتمد على شبكة أنابيب تضخ مياه البحيرة الباردة عبر المباني لتبريدها كبديل مستدام.

غير أن الواقع المناخي يفرض ضغوطاً متزايدة على هذه السياسات التقليدية مع تسجيل معدلات وفيات غير مسبوقة بسبب الإجهاد الحراري. ووفقاً لتقديرات منظمة الصحة العالمية المنشورة في تقرير بلومبرغ، فإن أكثر من 200 ألف شخص قضوا نحبهم بسبب الحرارة المرتفعة داخل الاتحاد الأوروبي خلال السنوات الأربع الماضية. وفي إسبانيا وحدها، سجلت السلطات الصحية 1028 حالة وفاة مرتبطة بالحرارة خلال شهر يونيو الماضي، وهو أعلى معدل شهري مرصود منذ بدء تسجيل هذه البيانات في عام 2015، بينما أعلنت ألمانيا أن موجة الحر في الشهر ذاته تسببت في أكثر من 5 آلاف حالة وفاة زائدة.

وتصطدم محاولات الاعتماد على عزل المباني كبديل للتكييف ببطء عمليات التحديث المعماري؛ ورغم إطلاق المفوضية الأوروبية لمبادرة “موجة التجديد” بهدف مضاعفة معدلات تجديد المباني بحلول عام 2030 لتحسين كفاءة الطاقة، فإن الهياكل الخرسانية والحجرية للمدن الأوروبية القديمة باتت تعمل كخزانات للحرارة. ويوضح الباحثون أن الجدران السميكة التي كانت تحمي المنازل قديماً، أصبحت تحتفظ بالحرارة وتطلقها في الداخل خلال ما يُعرف بـ “الليالي الاستوائية” عندما تظل درجات الحرارة فوق 20 درجة مئوية.

ونتيجة لغياب التبريد الاصطناعي في المؤسسات التعليمية، اضطرت المدارس الألمانية إلى تطبيق سياسة تسريح الطلاب مبكراً عند ارتفاع حرارة الفصول، في حين لجأت إسبانيا إلى تقليص ساعات الدراسة الصيفية وتقديم مواعيد بدء الدوام لتفادي ذروة الحرارة.

مقالات ذات صلة