من قلب فلورنسا.. مسرح لا بيرجولا التاريخي يرسم بجسد فنانيه كلمة ‘غزة’ صرخةً في وجه الحرب

في قلب فلورنسا، مدينة الفن والجمال، تحولت خشبة مسرح عريق إلى لوحة إنسانية نابضة بالحياة والألم. هناك، حيث صدحت أعظم الأوبرات على مر القرون، تشابكت أجساد الفنانين والعاملين لترسم بأجسادهم كلمة واحدة تهز الوجدان وتخترق صمت العالم: ‘غزة’.
لم يكن المشهد مجرد عرض فني، بل كان صرخة مدوية انطلقت من مسرح ‘لا بيرجولا’ التاريخي، رسالة بليغة تطالب بوقف نزيف الدم وإسكات صوت المدافع. امتزجت الأذرع والسيقان والرؤوس في تكوين بصري مؤثر، ليرتفع من بينها نداء جماعي واحد: “أوقفوا القنابل، أسكِتوا السلاح”.
جسر من الأجساد يصل إلى غزة
جاءت هذه المبادرة الإنسانية الفريدة من إدارة مسرح توسكانا، بقيادة مديره الفني الكاتب المسرحي ستيفانو ماسّيني، ومديره العام كارلو كالابريتا. لم يكتفوا بالبيانات والتصريحات، بل قرروا تحويل ألواح الخشب العتيقة للمسرح إلى جسر رمزي، يمتد من قلب أوروبا ليصل إلى غزة، معبرين عن تضامنهم العميق مع أهالي القطاع الذين يواجهون الموت والدمار كل يوم.
اللحظة لم تكن عابرة، بل تم توثيقها في صورة جماعية بديعة التقطت من الأعلى، بالإضافة إلى فيديو بتقنية ‘التايم-لابس’ يكثف المشهد في لوحة متحركة، تعكس بشكل رمزي حقيقة مكان يعيش سكانه بين فكي المأساة وفقدان الأرواح. كانت الأجساد المتراصة هي الحبر، وخشبة المسرح هي الورقة التي كُتبت عليها رسالة تضامن فني لا تُنسى.
رسالة المسرح: الفن في مواجهة الكابوس
أرفق المسرح هذا العمل الفني ببيان مؤثر، جاء فيه: “أذهاننا اليوم تتجه إلى من فقدوا حياتهم، ومن جُرحوا، ومن أُجبروا على ترك منازلهم، ومن يعيشون وسط أنقاض كابوس لم تتضح بعد نهايته”. البيان لم يكن مجرد تعاطف، بل كان تأكيدًا على الدور الجوهري للثقافة في الأزمات الإنسانية.
وشدد البيان على أن المسرح ليس مجرد مكان للترفيه، بل هو أداة للمعرفة والالتزام الأخلاقي، ومنارة ثقافية تحمل رسالة سلام. وبهذه اللفتة، أكد مسرح لا بيرجولا على أن الفن لا يمكن أن يكون محايدًا أمام الظلم، بل هو صوت من لا صوت له. وقد لخصت المبادرة أهدافها في نقاط واضحة:
- الوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني وكل ضحايا الحروب.
- استخدام الفن كأداة للتعبير عن القضايا الإنسانية العاجلة.
- تأكيد أن الثقافة قادرة على توحيد البشر وبناء جسور التفاهم.
- إرسال رسالة قوية من إيطاليا إلى العالم بضرورة وقف العنف.
‘لا بيرجولا’: تاريخ من الفن يروي حكاية الحاضر
إن اختيار هذا المسرح تحديدًا ليحتضن هذه المبادرة يمنحها بعدًا تاريخيًا وثقافيًا هائلاً. يُعد مسرح لا بيرجولا أحد أعرق المسارح في إيطاليا وأوروبا، حيث افتُتح عام 1656. صُمم على طراز الباروك الفخم، وكان في بداياته حكرًا على العروض الموسيقية الراقصة للطبقة الأرستقراطية، قبل أن يفتح أبوابه للجمهور في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
بنيته المعمارية الفريدة، بخشبته العميقة وأجنحته الواسعة وشرفته الملكية المزخرفة، جعلته أيقونة للعمارة المسرحية الإيطالية. على خشبته، وقف عمالقة المؤلفين والمخرجين، وشهد تطور المسرح الإيطالي الحديث. واليوم، يثبت هذا الصرح الثقافي أنه لا يزال قلبًا نابضًا بالحياة، يتفاعل مع قضايا الإنسان، ويحول تاريخه العريق إلى شهادة على الحاضر.
بهذا الحدث الرمزي، يؤكد مسرح لا بيرجولا أن جدرانه التي شهدت قرونًا من الإبداع لا يمكن أن تعزله عن الواقع الأليم. فالفن، كما تقول رسالتهم الختامية، هو جسر للتضامن الإنساني، وقوة قادرة على بناء طريق نحو السلام حتى في أحلك الظروف. إنها رسالة من مدينة فلورنسا، مهد النهضة، بأن نهضة الضمير الإنساني هي الأهم الآن.











