مصر تقود تحالفًا متوسطيًا لمواجهة الجفاف عبر مشروع “WaterMellon” العلمي
بتمويل أوروبي ومشاركة 10 دول.. كيف تحول مدينة الأبحاث العلمية تحديات ندرة المياه إلى فرصة للابتكار والريادة الإقليمية؟

في خطوة تعكس الأهمية المتزايدة لقضايا الأمن المائي، استضافت مصر وفودًا من عشر دول متوسطية في إطار مشروع WaterMellon البحثي الدولي، الذي يهدف إلى تطوير حلول مبتكرة لمواجهة الجفاف الشديد. يمثل هذا التجمع، الذي احتضنته مدينة الأبحاث العلمية والتطبيقات التكنولوجية، انطلاقة عملية لبرنامج طموح ممول من الاتحاد الأوروبي.
استجابة متوسطية لخطر مشترك
يجمع مشروع WaterMellon شركاء من إيطاليا، المغرب، الجزائر، إسبانيا، تونس، البرتغال، قبرص، اليونان، لبنان، وتركيا، في مواجهة تحدي التغيرات المناخية الذي يهدد الأمن المائي والغذائي لدول حوض البحر الأبيض المتوسط. يركز المشروع على تطوير أنظمة زراعية مبتكرة تعتمد على تقنيات حصاد المياه، مع التركيز على زراعة أنواع نباتية قادرة على تحمل الملوحة والجفاف.
وأكدت الدكتورة منى عبد اللطيف، مدير مدينة الأبحاث العلمية، أن المدينة تسخر كافة إمكانياتها البشرية ومعاملها المتطورة لدعم هذا التعاون الدولي. وأوضحت أن المشروع ينسجم مع دور المدينة كمركز رائد يهدف إلى تحويل المخرجات البحثية إلى تطبيقات تكنولوجية تخدم أهداف التنمية المستدامة في مصر والمنطقة.
من المختبر إلى الحقل.. حلول عملية للمزارعين
لا يقتصر المشروع على الجانب النظري، بل يهدف إلى تحقيق تأثير مباشر على حياة المزارعين أصحاب الحيازات الصغيرة. ويسعى البرنامج إلى تحسين سبل عيشهم عبر تدريبهم على التقنيات الجديدة، وإدخال سلالات ومنتجات زراعية ذات قيمة اقتصادية عالية، وتوفير حلول فنية منخفضة التكلفة لزيادة الإنتاجية والأرباح.
وشملت فعاليات اللقاء جولة ميدانية في المزرعة التجريبية التابعة للمدينة، حيث اطلع المشاركون على تطبيقات عملية لتقنيات الري الحديثة الموفرة للمياه، وكيفية دمجها مع الأسمدة العضوية لتحقيق زراعة مرنة قادرة على الصمود في وجه التغيرات المناخية. هذه الجولة قدمت نموذجًا حيًا لما يمكن تحقيقه على أرض الواقع.
أبعاد تتجاوز العلم.. جيوسياسة المياه
إن استضافة مصر لهذا المشروع لا تعكس فقط التزامها بالبحث العلمي، بل تمثل أيضًا تحركًا استراتيجيًا ذكيًا. ففي منطقة يعاني معظمها من ندرة المياه، يصبح التحكم في تكنولوجيا الزراعة المقاومة للجفاف أداة نفوذ دبلوماسي وعلمي. ومن خلال قيادة هذا التحالف، تضع مصر نفسها كمركز إقليمي للخبرة في مجال التكيف الزراعي، جاذبةً للتمويل الدولي ومعززةً لشراكاتها مع أوروبا ودول الجوار.
هذا التعاون الدولي، الذي أشار إليه الدكتور محمد رشاد، الباحث الرئيسي للمشروع، باعتباره ضرورة لمواجهة تحديات عابرة للحدود، يحمل في طياته أبعادًا سياسية واقتصادية. فتبادل الخبرات وتوحيد الجهود لا يضمن فقط تحقيق أقصى استفادة علمية، بل يبني أيضًا جسورًا من الثقة ويؤسس لاستراتيجيات إقليمية موحدة لمواجهة أزمة قد تكون مصدرًا للتوتر في المستقبل.
واختتمت الفعاليات بورشة عمل أسفرت عن اتفاق لوضع خطة عمل تنفيذية وتوسيع نطاق التعاون. لم يعد الأمر مجرد مشروع بحثي، بل أصبح أساسًا لمنظومة إقليمية تهدف إلى بناء قدرات الباحثين والمزارعين على حد سواء، لضمان مستقبل زراعي أكثر مرونة واستدامة في مواجهة مستقبل مناخي غير مؤكد.









