صحة

لغز الألوان في عينك.. لماذا يفصل “خيط رفيع” بين الأحمر والأخضر؟

دراسة تكشف السر الجزيئي وراء عمى الألوان الأكثر شيوعاً

صحفية في النيل نيوز، تركز على متابعة المستجدات الصحية وتقديمها بطريقة مبسطة للقراء

ثلاثة أحماض أمينية فقط هي كل ما يفصل بين رؤيتك للون الأحمر أو الأخضر، وفق ما كشفته دراسة حديثة نشرتها دورية Science المرموقة، حيث أظهرت الأبحاث أن التشابه الجزيئي بين هذين اللونين في عين الإنسان مذهل لدرجة تجعل أي خلل بسيط يخلط بينهما تماماً.

الباحث كوتا كاتاياما من معهد ناغويا للتكنولوجيا في اليابان، أكد أن فريقه نجح في رصد أول بنية ثلاثية الأبعاد لصبغات الرؤية في الخلايا المخروطية للعين، موضحاً أن هذا الاكتشاف يفسر ببساطة لماذا يعد عمى الألوان “الأحمر-الأخضر” هو النوع الأكثر شيوعاً بين البشر، حيث يصيب تقريباً 8% من الرجال و0.5% من النساء حول العالم، وهي حالة تُعرف علمياً باسم “الدالتونية” نسبة إلى العالم جون دالتون الذي كان يعاني منها.

اختلاف بسيط.. وتأثير هائل

الخلايا المخروطية في شبكية العين تعتمد على جزيء أساسي واحد لامتصاص الضوء يسمى “11-cis-retinal”، لكن الفارق في رؤية الألوان يعود لتغييرات طفيفة جداً في بنية البروتين المحيط به، وبحسب الفريق البحثي الياباني، فإن الفارق بين قمة امتصاص اللون الأحمر والأخضر لا يتعدى 30 نانومتر، وهو ما يتحكم فيه بدقة متناهية تلك الأحماض الأمينية الثلاثة.

استخدم العلماء في تجاربهم نوعاً من القردة يسمى “المكاك طويل الذيل” لامتلاكه نظام رؤية ثلاثي الألوان يشبه البشر تماماً، وبواسطة المجهر الإلكتروني فائق التبريد، اكتشفوا أن الأحماض الأمينية لا تغير شكل البروتين ماديًا، بل تعيد ترتيب “المجال الكهربائي” حوله، مما يحدد طول الموجة الضوئية التي ستمتصها العين وتترجمها كألوان.

لماذا يصاب الرجال أكثر؟

هذا التشابه الجزيئي الشديد يجعل الجينات المسؤولة عن هذه الصبغات حساسة للغاية لأي طفرة، ومن المعروف طبياً أن الجينات المسؤولة عن رؤية اللونين الأحمر والأخضر تقع على الكروموسوم (X)، وبما أن الرجال يملكون كروموسوماً واحداً من هذا النوع، فإن أي خلل في هذه الأحماض الأمينية الثلاثة يظهر مباشرة كعجز عن التمييز بين اللونين، بينما تملك النساء “نسخة احتياطية” غالباً ما تحميهن من هذا الخلل.

سرعة خارقة في الرؤية

كشفت الدراسة أيضاً عن وجود “فتحة” أو ممر في هيكل الصبغة يسمح للعين بتجديد نفسها بسرعة البرق بعد التعرض للضوء القوي، وهو ما يفسر لماذا لا تتوقف عينك عن الرؤية أو “تهنج” عند الانتقال من مكان مظلم إلى ضوء الشمس الساطع، وهذا الممر غير موجود في صبغة “الرودوبسين” المسؤولة عن الرؤية الليلية في الأماكن الخافتة، والتي تأخذ وقتاً أطول بكثير للتعافي، وهو ما تلاحظه عندما تدخل غرفة مظلمة فجأة ولا ترى شيئاً في الثواني الأولى.

النتائج التي توصل إليها الباحثون وربطت بين الاختلافات الوظيفية والميزات الهيكلية الدقيقة، قد تفتح الباب مستقبلاً لعلاجات جينية تستهدف تصحيح هذه الأحماض الأمينية، وفق ما أشارت إليه بيانات National Institutes of Health حول أبحاث الرؤية والوراثة.

مقالات ذات صلة