عرب وعالم

مدغشقر: هروب الرئيس وتولي راندريانرينا السلطة

محررة في قسم عرب وعالم، بمنصة النيل نيوز

شهدت دولة مدغشقر خلال الأيام الماضية تصاعدًا حادًا في الأحداث السياسية، حيث فر الرئيس أندريه راجولينا من البلاد بعد محاولة اغتيال مزعومة. يأتي هذا التطور على خلفية احتجاجات واسعة قادها الشباب، ليعلن بعدها العقيد مايكل راندريانرينا نفسه حاكمًا جديدًا للبلاد، في مشهد يعكس عدم الاستقرار المتواصل.

تولى العقيد راندريانرينا زمام السلطة في مدغشقر عقب أسابيع من التظاهرات التي قادها جيل Z ضد حكم الرئيس المخلوع. هذا التحول المفاجئ يفتح الباب أمام تساؤلات حول مستقبل الجزيرة الواقعة في المحيط الهندي، ودور القوى العسكرية في رسم خارطتها السياسية.

من هو مايكل راندريانرينا؟

وُلد راندريانرينا، البالغ من العمر 51 عامًا، في قرية سيفوهيبوتي بمنطقة أندروي، أقصى جنوب الجزيرة. يتمتع بخبرة عسكرية وإدارية، حيث شغل منصب حاكم أندروي بين عامي 2016 و2018، ثم ترأس كتيبة مشاة في مدينة توليارا حتى عام 2022، قبل أن يُرقّى إلى منصب رفيع في وحدة كابسات العسكرية النخبوية.

تُعدّ وحدة كابسات ذات أهمية خاصة، فهي ذاتها المجموعة التي مهدت الطريق لـ راجولينا للوصول إلى السلطة عبر انقلاب عام 2009. هذا الارتباط التاريخي يشير إلى أن تولي راندريانرينا ليس مجرد صدفة، بل قد يكون جزءًا من ديناميكية أوسع داخل المؤسسة العسكرية، تعيد تشكيل المشهد السياسي في مدغشقر.

خطوات راندريانرينا الأولى

فور توليه السلطة، أعلن راندريانرينا تعليق عمل مؤسسات الدولة في مدغشقر، بما في ذلك مجلس الشيوخ، والمفوضية الانتخابية، والهيئات القضائية العليا. ورغم أن المحكمة الدستورية العليا أقرت توليه منصب الرئيس المؤقت، إلا أن هذه الخطوة تعكس رغبة واضحة في إعادة ترتيب الأوراق السياسية.

كما أشار راندريانرينا إلى أن إجراء انتخابات للانتقال إلى حكومة مدنية قد يستغرق ما يصل إلى عامين، وهي فترة طويلة تمنحه مساحة كافية لترسيخ نفوذه وإعادة صياغة المشهد السياسي. هذا الإعلان يثير تساؤلات حول مدى الالتزام بالمسار الديمقراطي وسرعة الانتقال السياسي.

خلفيات الصراع: من النقد إلى القيادة

لم يكن راندريانرينا شخصية جديدة على الساحة السياسية، بل كان منتقدًا صريحًا لـ راجولينا في السنوات الأخيرة. هذا الموقف المعارض بلغ ذروته باعتقاله في 17 نوفمبر 2023 للاشتباه في تحريضه على تمرد عسكري، حيث وُجهت إليه تهمة الاعتداء على أمن الدولة وأُرسل إلى السجن.

أُطلق سراحه في فبراير 2024 بحكم موقوف التنفيذ، وعاد إلى مركز كابسات. وفي 11 أكتوبر، مع تصاعد احتجاجات الشباب من جيل Z ضد راجولينا، سجّل راندريانرينا مقطع فيديو دعا فيه قوات الأمن إلى عصيان أوامر إطلاق النار على المتظاهرين، وهو ما تبعه انضمام بعض جنود كابسات إلى الاحتجاجات، مما يعكس نفوذه داخل الجيش.

هروب الرئيس راجولينا واحتجاجات جيل Z

أعلن الرئيس أندريه راجولينا، الاثنين، أنه لجأ إلى “مكان آمن” بعد محاولة اغتياله، وذلك في أعقاب أسابيع من الاحتجاجات التي طالبته بالاستقالة. لم يظهر راجولينا منذ يوم الأربعاء، وأعلن مكتبه لاحقًا عن محاولة لإجباره على ترك السلطة.

في بث مباشر عبر فيسبوك، صرح راجولينا أن “مجموعة من العسكريين والسياسيين خططوا لاغتيالي”، دون الكشف عن مكان تواجده. هذه التصريحات، إلى جانب تقارير غير مؤكدة عن فراره على متن طائرة عسكرية فرنسية، تسلط الضوء على عمق الأزمة السياسية وتورط أطراف متعددة فيها.

أكد راجولينا أن محاولات الاغتيال والانقلاب بدأت منذ 25 سبتمبر، مشددًا على أنه اضطر للبحث عن مكان آمن لحماية حياته. ودعا إلى احترام الدستور كطريقة وحيدة لحل القضايا، في محاولة أخيرة للتمسك بالشرعية الدستورية التي يبدو أنها تلاشت في ظل تصاعد الأحداث.

جاءت هذه التطورات بعد أسبوعين من احتجاجات واسعة النطاق قادها المتظاهرون الشباب، المعروفون باسم جيل Z، بهدف إبعاد راجولينا عن السلطة. محاولاته الفاشلة لاسترضاء هؤلاء المتظاهرين، بما في ذلك إقالة حكومته بأكملها وتقديم تنازلات أخرى، لم تُجدِ نفعًا، مما يؤكد على حجم السخط الشعبي.

الوضع الاقتصادي: وقود الأزمة في مدغشقر

تُعدّ مدغشقر من أفقر دول العالم، حيث يعيش حوالي 75% من سكانها تحت خط الفقر، وفقًا لبيانات البنك الدولي (World Bank). كما تُظهر بيانات صندوق النقد الدولي أن ما يزيد قليلًا عن ثلث السكان يحصلون على الكهرباء، مما يعكس تحديات هائلة في الوضع الاقتصادي.

هذه الظروف المعيشية الصعبة، إلى جانب الفساد وسوء الإدارة، توفر أرضية خصبة لـ عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي. احتجاجات الشباب، وإن كانت موجهة ضد شخص راجولينا، إلا أنها في جوهرها تعبير عن غضب عميق تجاه الأوضاع الاقتصادية المتدهورة وغياب الأفق، مما يجعل مدغشقر عرضة لمزيد من التقلبات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *