فن

محمود عبد السميع: حكاية عدسة رأت الحرب والحلم والسينما

صانع الصورة الذي كرّمه مهرجان القاهرة يروي مسيرة استثنائية من الجبهة إلى الاستوديو.

كاتبة ومراسلة إخبارية في منصة النيل نيوز، متخصصة في قسم الفن.

في أمسية هادئة بالمسرح المكشوف بدار الأوبرا، لم تكن مجرد محاضرة، بل كانت رحلة عبر زمن صُنعت فيه الذاكرة البصرية للسينما المصرية. هنا، جلس مدير التصوير الكبير محمود عبد السميع، الذي يحتفي به مهرجان القاهرة السينمائي الدولي هذا العام، ليروي فصولاً من حكاية بدأت بشغف طفل وانتهت بمسيرة حفرت اسمها في تاريخ الفن السابع. كانت الأجواء أشبه بلقاء مع التاريخ نفسه.

شرارة أولى

كل قصة عظيمة تبدأ بحلم صغير. حلم عبد السميع بدأ بـ”كرتونة” حوّلها إلى كاميرا بدائية، في محاولة طفولية لفهم السحر الذي يراه على الشاشة. هذه الحكاية لا تكشف فقط عن شغف مبكر، بل عن عقلية فنان لا يرى حدودًا بين الخيال والواقع، وهي السمة التي طبعت مسيرته لاحقًا. فبالنسبة له، الجدران والضوء والزمن ليسوا مجرد عناصر تقنية، بل هم أبطال في القصة يشاركون الممثل سرده.

أعمق من مخرج

الانطلاق دائمًا من الورق، لكن الرؤية تتشكل في العقل قبل أن تلمس العدسة الكاميرا. يكشف عبد السميع عن منهجيته التي تبدأ بقراءة متعمقة للسيناريو، لدرجة أن فهمه البصري كان يسبق أحيانًا تصورات المخرجين أنفسهم. “بعض المخرجين لم يستعينوا بي مرة أخرى”، يقولها بأسف خفيف، وهي جملة تلخص معضلة المبدع الحقيقي الذي قد يصبح عمقه مصدر قلق للآخرين. إنها شهادة على أن مدير التصوير ليس مجرد منفذ، بل هو مؤلف مشارك في العمل الفني.

عبقرية المرحلة

في زمن ما قبل المؤثرات الرقمية، كانت السينما المصرية تعتمد على عبقرية صُنّاعها. يروي عبد السميع كيف ابتكر حلولًا بصرية من لا شيء تقريبًا. في فيلم “التعويذة”، جعل “العفريت” يجري تحت السرير بعدسة خاصة، وفي “للحب قصة أخيرة” حوّل قطعة خشب سوداء إلى قمر صناعي يظهر في السماء. هذه الحكايات ليست مجرد ذكريات طريفة، بل هي توثيق لمرحلة كانت فيها الحلول اليدوية هي أساس الإبداع، وتؤكد أن الخيال هو المحرك الأول للسينما.

عدسة على الجبهة

تأخذ مسيرة عبد السميع منحىً آخر، أكثر خطورة وعمقًا، حين قرر عام 1969 الذهاب إلى جبهة القتال لتصوير حرب الاستنزاف. لم تكن مهمة رسمية بقدر ما كانت واجبًا وطنيًا، خاطر بحياته من أجله، ووقّع إقرارًا بإخلاء مسؤولية الدولة في حال استشهاده. يرى محللون أن هذه التجربة لم تصقل مهاراته فحسب، بل منحت عدسته بُعدًا إنسانيًا فريدًا، فمن يرى الموت عن قرب، يرى الحياة بصورة مختلفة تمامًا. لقد كان أول مصور سينمائي يوثق تلك اللحظات، ليتحول من فنان إلى مؤرخ بصري للحظة فارقة في تاريخ مصر.

حلم مؤجل

لكل فنان حلم أخير، وحلم محمود عبد السميع هو “متحف السينما المصرية”. مشروع بدأه منذ عام 1990 لجمع تراث هذه الصناعة العريقة من كاميرات ومعدات ومقتنيات نادرة. ورغم مرور أكثر من ثلاثة عقود، ما زال الحلم يراوح مكانه، حبيس الأدراج. هذا الحلم المؤجل لا يعكس فقط رغبة شخصية، بل يمثل صرخة للحفاظ على هوية ثقافية وتاريخ فني مهدد بالنسيان. إنه سؤال مفتوح حول كيفية تعامل المؤسسات مع ذاكرتها.

في الختام، لم يكن تكريم مهرجان القاهرة لمحمود عبد السميع مجرد احتفاء بمسيرة مدير تصوير ناجح، بل هو تقدير لجيل من المبدعين الذين صنعوا السينما المصرية بـ”اللحم والدم”، بالخيال والكرتون، بالعدسة والرصاصة. إنها قصة فنان كانت كاميرته عينًا على الفن، وعينًا أخرى على الوطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *