فيضانات السودان.. مأساة فوق أنقاض الحرب وجدل سد النهضة يطفو على السطح

بينما لم تندمل جراح الحرب بعد، يجد السودانيون أنفسهم في مواجهة كارثة جديدة لا تقل قسوة. مياه النيل التي كانت يومًا شريان الحياة، تفيض اليوم لتغرق ما تبقى من بيوت وأحلام في الخرطوم ومناطق أخرى، وتفتح الباب أمام جدل قديم جديد حول سد النهضة.
صرخات من قلب الغرق.. قصص إنسانية تروي فداحة الكارثة
في منطقة الشقيلاب، جنوبي العاصمة، ترتسم ملامح الفاجعة على وجوه السكان. لم تكد السيدة ابتسام عبد الله تلتقط أنفاسها بعد رحلة نزوح مريرة هربًا من ويلات الحرب، حتى وجدت نفسها في مواجهة عدو من نوع آخر. تروي بحسرة كيف داهمتها مياه النيل الأبيض ليلًا، قائلة: “وصلت المياه لكل ركن في المنزل، فاضطررت وأطفالي للمغادرة فورًا، فالبيت أصبح آيلًا للسقوط”.
على بعد أمتار قليلة، يقف المزارع عبد الرحمن إبراهيم ينظر إلى أرضه التي تحولت إلى بحيرة موحلة. كان قد عاد لتوه بعد غياب عامين، وزرع أرضه بالخضروات والذرة لتكون قوتًا لأسرته. يقول بصوت يخنقه الألم: “كنت أستعد للحصاد، وفي لحظات ضاع كل شيء. مياه الفيضان أتلفت المحصول، وفقدت كل ما أملك”.
في محاولة يائسة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، يعمل متطوعون مثل أحمد عبد الله على بناء سواتر ترابية بدائية. لكن جهودهم تتبخر أمام قوة المياه المندفعة. يؤكد أحمد: “مناسيب المياه تجاوزت السواتر، ولم تصلنا أي مساعدات حكومية. نحن نعتمد على أنفسنا، ولا نعرف إلى متى سنصمد”.
تحذيرات رسمية وخريطة الخطر تتسع
الكارثة لم تقتصر على الخرطوم، فقد دقت وزارة الزراعة والري السودانية ناقوس الخطر، معلنةً أن فيضانات السودان هذا العام ستؤثر بشكل مباشر على ست ولايات حيوية، هي:
- ولاية الجزيرة
- ولاية سنار
- ولاية النيل الأزرق
- ولاية الخرطوم
- ولاية نهر النيل
- الولاية الشمالية
ورغم حجم المأساة، يؤكد الفريق عثمان عطا، مدير الدفاع المدني، أن “الأوضاع تحت السيطرة”، مشيرًا إلى وجود تجهيزات مسبقة وفرق مراقبة على طول مجرى النيل للتصدي لأي تهديدات. تصريحات تبعث على الطمأنينة، لكنها تتناقض مع الواقع المرير الذي يعيشه المتضررون.
سد النهضة.. منقذ أم متسبب في الكارثة؟
على غير العادة، لم تكن الأمطار وحدها المتهم هذه المرة. تزامن الفيضان مع جدل واسع حول تأثيرات سد النهضة الإثيوبي، الذي تم افتتاحه رسميًا في سبتمبر الماضي. تقارير إعلامية ربطت بين زيادة مناسيب المياه وتصريف كميات من بحيرة السد، وهو ما زاد من معاناة السودانيين في ولاية النيل الأزرق القريبة.
الحكومة السودانية تعاملت مع الأمر بحذر، لكن بيان وزارة الري ألمح إلى أن ارتفاع المناسيب “تزامن مع تصريف مياه بحيرة سد النهضة”، إلى جانب عوامل أخرى مثل التغيرات المناخية. في المقابل، نفت إثيوبيا هذه الاتهامات جملةً وتفصيلًا، مؤكدة أن السد “حال دون وقوع أضرار كارثية” عبر تنظيم تدفق المياه.
ويرى خبراء مثل الدكتور الصادق شرفي، المتخصص في شؤون المياه، أن المشكلة مركبة. فهو يحمّل وزارة الري السودانية جزءًا من المسؤولية لعدم استعدادها للتعامل مع المتغيرات الجديدة بعد تشغيل السد. ويضيف أن المشكلة الأكبر تكمن في البنية التحتية المتهالكة التي دمرتها الحرب، بالإضافة إلى بناء مساكن في مجاري السيول، مما يضاعف من حجم الخسائر البشرية والمادية.
وهكذا، تضاف الفيضانات إلى قائمة طويلة من الآلام التي يعيشها الشعب السوداني، بين نزوح قسري بسبب الحرب، وأوبئة تفتك بالأجساد، ومياه نيل غاضبة تبتلع ما تبقى من أمل في النجاة.









