احتجاجات المغرب.. صرخة جيل زد تهز الشارع: الصحة أولاً لا كأس العالم

من قلب شوارع الرباط والدار البيضاء، انطلقت صرخة مدوية لجيل جديد يرفض أن تكون أحلامه مجرد مدرجات في ملاعب كرة القدم. شعار “مبغيناش كأس العالم.. الصحة أولاً” لم يكن مجرد هتاف عابر، بل أصبح عنوانًا لحراك شعبي واسع يعيد للأذهان أسئلة الأولويات الكبرى في المغرب، ويضع الحكومة أمام اختبار حقيقي.
شرارة الغضب.. حينما تتحول المستشفيات إلى مقابر
لم تكن الاحتجاجات وليدة اللحظة، بل كانت نتيجة تراكمات طويلة من الإحساس بالتهميش، لكن الشرارة التي أشعلت فتيل الغضب كانت مأساة مستشفى الحسن الثاني بأكادير. وفاة ثماني سيدات أثناء خضوعهن لعمليات ولادة قيصرية كانت بمثابة الصدمة التي هزت ضمير المجتمع، وحولت المستشفى في عيون الكثيرين إلى “مستشفى الموت”، وكشفت عن الوجه القبيح لواقع قطاع الصحة المتردي.
هذه الحادثة لم تبقَ حبيسة أسوار أكادير، بل امتد صداها سريعًا إلى مدن أخرى مثل تطوان والدرويش، حيث خرج المواطنون في وقفات غاضبة أمام المستشفيات. ورغم تحرك وزير الصحة وإعلانه عن إعفاءات لمسؤولين، إلا أن الإجراءات بدت كمسكنات مؤقتة لجرح غائر، فالغضب كان قد تحول بالفعل إلى موجة احتجاجات عارمة تطالب بإصلاح جذري وشامل.
أصوات من الشارع: “نخشى الذهاب للمستشفيات”
في قلب هذا الحراك يقف جيل زد، جيل وُلد في عصر الإنترنت ولا يخشى التعبير عن رأيه. تقول آية، شابة في العشرين من عمرها: “لكل مغربي قصة مؤلمة مع المستشفيات. أصبحنا نخشى الذهاب للمستشفى الحكومي، والخاص ينهك جيوبنا”. وتضيف بحرقة: “يخصصون الملايين للملاعب بينما يعاني أهلنا في الحوز من آثار الزلزال، هذا اختلال واضح في الأولويات”.
أما محمد (22 عامًا)، فكان أكثر حدة في مطالبه، داعيًا رئيس الحكومة عزيز أخنوش للتنحي، محملاً سياساته مسؤولية تدهور الخدمات. وبينما يؤكد أيمن (25 عامًا) أن التظاهرات بدأت سلمية، إلا أنه يشير إلى أن “التعامل الأمني القمعي وتجاهل المطالب دفع البعض لأعمال شغب”، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول كيفية إدارة الأزمة، كما حذرت نجية أديب، رئيسة جمعية “متقيسش أولادي”، من أن الفوضى قد تضيع المطالب المشروعة.
نزيف العقول وأزمة التعليم.. جراح وطن لا تندمل
الأزمة لا تقتصر على الصحة، فالمشهد في قطاع التعليم لا يقل قتامة. فصول مكتظة، وبنية تحتية مهترئة، ونقص حاد في الكوادر التربوية، حيث يوجد في المتوسط 38 أستاذًا فقط لكل ألف تلميذ. هذه الأرقام الصادمة تعكس أزمة عميقة، فاقمها نزيف الكفاءات وهجرة الأطباء التي تهدد المنظومة الصحية بالانهيار، حيث يعمل أكثر من 10 آلاف طبيب مغربي في الخارج، بينما تحتاج البلاد لأكثر من 32 ألف طبيب لسد العجز.
هذا الواقع المرير دفع المعلمين أنفسهم للنزول إلى الشارع في إضرابات استمرت لأشهر، رفضًا لـ”النظام الأساسي الجديد” الذي اعتبروه مجحفًا. وكشف تقرير صادر عن منظمة اليونسكو أن 73% من الأساتذة يفكرون في ترك المهنة بسبب تدني الأجور، مما يؤكد أن الأزمة الاجتماعية أصبحت هيكلية وتمس عصب مستقبل البلاد.
الحكومة في مواجهة الغضب: “فهمناكم” ولكن!
بعد أيام من الصمت، خرجت الأغلبية الحكومية ببيان يحمل عنوان “حسن الإنصات والتفهم”، معبرة عن استعدادها للحوار والتجاوب الإيجابي. البيان الذي بدا وكأنه محاولة لامتصاص الغضب، أقر بوجود “تراكمات وإشكالات” في المنظومة الصحية، مؤكدًا أن طموح الشباب يلتقي مع أولويات الحكومة. لكن هذه التصريحات قوبلت بموجة من التشكيك على منصات التواصل، حيث اعتبرها كثيرون محاولة لكسب الوقت دون تقديم حلول حقيقية وملموسة.
مونديال 2030.. حلم باهظ الثمن على حساب المواطن؟
في قلب هذا الجدل، تبرز تكلفة استضافة كأس العالم 2030 وكأس أفريقيا 2025. فبينما يرى البعض أنها فرصة تاريخية للتنمية وجذب الاستثمارات، يراها المحتجون عبئًا ماليًا ضخمًا يأتي على حساب لقمة عيشهم وصحتهم وتعليم أبنائهم. الأرقام تتحدث عن نفسها:
- 25 مليار درهم (2.5 مليار دولار) من الخزينة العامة لبناء الملاعب ومراكز التدريب.
- 17 مليار درهم (1.7 مليار دولار) إضافية من التمويل البنكي والقروض.
- إجمالي مساهمة المغرب في التنظيم قد تصل إلى 6 مليارات دولار.
في مقابل هذه التكلفة الباهظة، يظل السؤال الذي يطرحه الشارع المغربي بسيطًا ومباشرًا: ما قيمة الملاعب الفاخرة إذا كانت المستشفيات تفتقر لأبسط المعدات والمدارس تعاني من الاكتظاظ؟ إنها صرخة جيل يطالب بأن تكون كرامته الإنسانية هي الأولوية، قبل أي احتفال رياضي عالمي.









