غزة التي لم نعد نعرفها.. فيلم فلسطيني يفتتح مهرجان الشعوب بإيطاليا بشهادة من زمن مضى

في زمن تتصدر فيه أخبار الدمار شاشات العالم، تأتي السينما لتقدم شهادة موجعة من قلب غزة، شهادة عن حياة كانت يومًا ما نابضة بالأمل والتفاصيل اليومية. بفيلم “مع حسن في غزة”، يفتتح المخرج الفلسطيني كمال الجعفري الدورة السادسة والستين لواحد من أعرق المهرجانات الوثائقية في العالم، ليضع ذاكرة مدينة جريحة في صدارة المشهد الثقافي الأوروبي.
مهرجان الشعوب يختار فلسطين.. رسالة سينمائية تتحدى الصمت
في مدينة فلورنسا الإيطالية، حيث الفن والتاريخ يتنفسان في كل زاوية، ينطلق مهرجان الشعوب (Festival dei Popoli) بقرار جريء وموقف إنساني واضح. فمنذ تأسيسه عام 1959، لم يكن هذا المهرجان مجرد منصة لعرض الأفلام، بل كان دائمًا مختبرًا للأفكار ومرآة تعكس هموم الشعوب وذاكرة مجتمعاتها، وهو ما يتجسد اليوم في اختياره لفيلم فلسطيني لافتتاح دورته الجديدة.
يقول مدير المهرجان، أليساندرو ستيلّينو، في تصريحات خاصة لـ”الشرق”، إن القرار لم يأتِ من فراغ: “فكرنا طويلاً كيف نفتتح هذه الدورة في ظل الفظائع التي نشهدها. اختيارنا لفيلم الجعفري هو تأكيد على الدور السياسي الذي تلعبه السينما الوثائقية، فهي وثيقة نادرة تذكرنا بإنسانية لا يمكن محوها، وتجبرنا على فهم حجم الإبادة التي يتعرض لها عالم بأكمله هناك”.
مع حسن في غزة.. رحلة إلى ذاكرة مدينة محتها الحرب
لا يقدم فيلم “مع حسن في غزة” قصة بالمعنى التقليدي، بل هو أشبه بكبسولة زمنية فُتحت عن طريق الصدفة. يعتمد الفيلم، الذي تبلغ مدته 106 دقائق، على ثلاثة أشرطة “MiniDV” عُثر عليها مؤخرًا، تم تصويرها عام 2001 في قطاع غزة. هذه الأشرطة لم تكن مجرد لقطات عابرة، بل تحولت اليوم إلى شهادة بصرية عن مكان وزمان تم محوهما بالكامل من الوجود.
تبدأ الحكاية بمحاولة المخرج كمال الجعفري البحث عن رفيق اعتقال قديم يعود لعام 1989، لكن رحلة البحث هذه تتحول إلى جولة غير متوقعة في شوارع غزة برفقة مرشد محلي يدعى حسن، الذي يظل مصيره اليوم مجهولًا. الكاميرا تتجول بحرية، تلتقط وجوه المارة، الأسواق المزدحمة، لحظات الحياة اليومية البسيطة، وأماكن لم يعد لها أثر اليوم، لتصبح النتيجة النهائية تأملًا عميقًا في الذاكرة الفلسطينية والفقدان.
يصف الجعفري فيلمه بكلمات مؤثرة: “إنه تحية إلى غزة وأهلها، إلى كل ما مُحي وعاد إلى ذاكرتي في هذه اللحظة الحاسمة. إنه فيلم عن الكارثة، وعن الشعر الذي يقاوم الموت”.
بصمة مخرج وسيرة دولية
يُعد كمال الجعفري، المقيم في برلين، واحدًا من أبرز الأصوات في السينما الفلسطينية المعاصرة. أعماله، التي تتميز بقدرتها على استكشاف التاريخ وإعادة تشكيله بصريًا، جابت أهم المهرجانات والمتاحف العالمية من لوكارنو وتورونتو ونيويورك وصولًا إلى فيينالي وبينالي ساو باولو، مما يمنح فيلمه الأخير ثقلًا فنيًا وسياسيًا إضافيًا.
لم يقتصر الأمر على الفيلم، بل انعكست روحه على ملصق الدورة الـ66 للمهرجان، الذي يظهر وجه امرأة تتطلع إلى الأفق، في إشارة إلى أن السينما تظل أداة أساسية لفهم عالم مضطرب والتفكير في مستقبل أكثر إنسانية. وعلى مدى تسعة أيام، من 1 إلى 9 نوفمبر، ستتحول فلورنسا مجددًا إلى عاصمة للسينما التي توثق الحقيقة وتتحدى النسيان.









