متلبس بالسرقة: حين يقرر العبقري دارين أرنوفسكي أن يصبح مخرجًا عاديًا!

ما الذي يدفع مخرجًا بحجم وقيمة دارين أرنوفسكي، صاحب الروائع الفلسفية المعقدة، ليغوص فجأة في عالم أفلام العصابات التقليدية؟ فيلمه الجديد Caught stealing يفتح الباب على مصراعيه أمام هذا السؤال المحيّر، مقدمًا تجربة تبدو كأنها تحية حارة لسينما التسعينات أكثر من كونها بصمة جديدة في مسيرته الاستثنائية.
لأول مرة منذ زمن، يتخلى أرنوفسكي عن قلمه ويقرر إخراج سيناريو لم يكتبه، وهو نص مقتبس عن رواية لتشارلي هيوستون. الحكاية تدور في نيويورك التسعينات، المدينة الصاخبة التي لا تنام، وتتبع قصة “هانك”، لاعب بيسبول سابق تحطمت أحلامه، ليجد نفسه فجأة، وبدون أي منطق، متورطًا في حرب دموية بين عصابات متعددة الجنسيات، من الروس إلى اللاتين، كلهم يبحثون عن أموال مراهنات ملطخة بالدماء.
بصمات أرنوفسكي في عالم الجريمة الدموي
للوهلة الأولى، قد يبدو الفيلم غريبًا تمامًا عن عالم أرنوفسكي. فلا توجد هنا هموم كونية كبرى كما في “Nohe”، ولا رحلات صوفية ممزقة بين الحلم والواقع مثل “Black Swan”. لكن عند التدقيق، نجد أن مزاج المخرج حاضر بقوة، وكأن جيناته الفنية تسللت إلى هذا القالب المختلف، وهو ما قد يفسر سر انجذابه لهذا المشروع.
المطاردون بأشباح الماضي
كالعادة، أبطال أرنوفسكي لا يهربون من ماضيهم أبدًا. بطلنا “هانك” تطارده ذكرى حادث سيارة مأساوي أنهى مسيرته الرياضية وحياته كما يعرفها. هذا الماضي ليس مجرد ذكرى عابرة، بل هو كابوس حي يقتحم وعيه في أكثر اللحظات ضعفًا، سواء بعد لحظة حميمية مع حبيبته، أو خلال إغماءاته المتكررة تحت وطأة الضرب الوحشي من رجال العصابات.
هذا البطل يشبه إلى حد كبير مصارع “The Wrestler” الذي يحاول استعادة مجد ضائع، أو بروفيسور “The Whale” الغارق في بدانته حزنًا على حبيبه. كلهم موهوبون، وكلهم تعرضوا لكسر نفسي أو جسدي في لحظة فارقة، لكن مسار “هانك” يتجه نحو الجريمة والبقاء على قيد الحياة، وهو مسار تحكمه قواعد سينما التسعينات، لا فلسفة المخرج العميقة.
الزمن كإحساس وليس كساعة حائط
يتلاعب أرنوفسكي بالزمن بطريقته الخاصة التي تميزه عن مخرج مثل كريستوفر نولان، المهووس بالحركة الكلية للزمن. هنا، الزمن هو شعور يعيش داخل الأماكن والأشياء. يستخدم أرنوفسكي “الفلاش باك” ليعيدنا إلى حادثة “هانك”، ثم يفتت هذه العودة بالحركة البطيئة، ليجعلنا نتأمل عنف اللحظة وتأثيرها المدمر الذي امتد لسنوات، كالندبة التي لا تزول من ركبته.
في حاضر الشخصيات، تلجأ الكاميرا لحركة الابتعاد إلى الخلف، فتوسع الكادر لنرى الصورة كاملة، وكأنها تخبرنا أن هناك مصيبة وشيكة تتربص بالجميع. الزمن لدى أرنوفسكي ليس مجرد أداة سردية، بل هو بُعد وجودي يضيف ثقلًا وحساسية لكل مشهد، وهو ما يجعله مختلفًا حتى في فيلم يبدو تقليديًا.
هل سقط أرنوفسكي في فخ القوالب الجاهزة؟
رغم هذه اللمسات الفنية، تكمن المشكلة الكبرى في أن الفيلم يسير على كتالوج محفوظ لأفلام الإثارة والجريمة. الأحداث يمكن توقعها بسهولة لأي مشاهد عاصر تلك الحقبة؛ سلسلة من سوء الحظ، جرائم عنيفة، ومواجهات دموية. حتى شخصية الضابطة التي تحقق في القضية، يسهل تخمين أنها فاسدة وجزء من اللعبة، وهو نمط كلاسيكي في أفلام العصابات.
الفيلم يعتمد بشكل كبير على فكرة “الثنائيات” التي اشتهرت بها أفلام التسعينات، حيث نجد الأشرار يعملون في أزواج، مما يذكرنا بأفلام مثل Lethal Weapon و Bad Boys:
- الثنائي الروسي العنيف.
- الثنائي العبراني المتدين ظاهريًا.
- الضابطة السمراء وصاحب الملهى البورتوريكي.
هذه العناصر النمطية تجعلنا نتساءل مجددًا: لماذا اختار مخرج بحجم دارين أرنوفسكي أن يقدم عملًا يبدو وكأنه فيلم بدايات لمخرج لا يزال يبحث عن صوته الخاص؟ إنه فيلم ممتع ومصنوع بحرفية، لكنه يفتقر للجنون والتأويلات المتعددة التي عودنا عليها. في النهاية، يبدو “Caught stealing” فيلمًا غير استثنائي لمخرج استثنائي، ربما هي مجرد نزوة أو تحية صادقة لزمن مضى.









