اقتصاد

عملاق ألماني يقتنص ‘التيليغراف’ بصفقة مليارية: هل يغير وجه الإعلام البريطاني؟

34.5 مليار جنيه مصري تدفع مجموعة "أكسل شبرينغر" الألمانية للسيطرة على إمبراطورية "التيليغراف" الإعلامية وسط تساؤلات عن التوجهات التحريرية.

صحفية في قسم الاقتصاد بمنصة النيل نيوز، تتابع تطورات الأعمال والاستثمار وتحرص على تقديم معلومات دقيقة وموثوقة

تخطت قيمة صفقة استحواذ عملاق الإعلام الألماني “أكسل شبرينغر” على مجموعة “تيليغراف ميديا” حاجز الـ 34.5 مليار جنيه مصري، ما يعادل 575 مليون جنيه إسترليني، لتنتقل ملكية صحيفتي “ديلي تيليغراف” و”صنداي تيليغراف” ومواقعهما الإلكترونية إلى أيادٍ أجنبية. صفقة ضخمة تهز الأوساط الإعلامية وتثير تساؤلاتٍ حادة حول مستقبل إحدى أبرز المؤسسات الصحفية البريطانية.

تنتظر الصفقة موافقة الهيئات التنظيمية. تنضم صحف ذات ارتباطات تاريخية قوية بحزب المحافظين البريطاني والمؤسسة العريقة في لندن، إلى باقة “شبرينغر” التي تضم عمالقة الإعلام الألماني “بيلد” و”دي فيلت”، بالإضافة إلى العلامات المتخصصة “بوليتيكو” و”بيزنس إنسايدر” الرقمية. تداخلٌ سياسيٌ حاد يثير مخاوف مشروعة حول استقلالية الخط التحريري، وهي مخاوف تتكرر في أسواق إعلامية نامية بالمنطقة العربية حيث تتشابك المصالح التجارية والسياسية.

جاء هذا الاستحواذ بعد أشهر من مفاوضات متعثرة أجراها مالك صحيفة “ديلي ميل” لشراء “تيليغراف”، صفقة كانت ستجمع عدة منافذ إعلامية بريطانية رئيسية يمينية الوسط تحت مظلة ملكية واحدة. محاولة مكشوفة للسيطرة على قطاع حيوي، تعكس سيناريوهات مكررة في المنطقة العربية حيث تتركز ملكية وسائل الإعلام الكبرى في أيدي قليلة، ما يثير دائمًا نقاشات حادة حول التنوع وحرية التعبير.

تزايدت الشكوك حول صفقة “ديلي ميل” بعد انتهاء فترة حصرية دون إتمام الاتفاق، وسط قلق من تدقيق حكومة العمال المكثف آنذاك بسبب التوجه السياسي للصحف. رفضٌ حكوميٌ صارم ألجم محاولات الاندماج التي قد تشكل احتكارًا إعلاميًا.

تكثفت المحادثات بين “أكسل شبرينغر” و”ريدبيرد آي إم آي”، المجموعة الأمريكية الإماراتية التي كانت تتحكم في ملكية “التيليغراف”، خلال الأسابيع الأخيرة. إعلان الصفقة صدر صباح اليوم لموظفي الصحيفة في مكاتب لندن. تدخلٌ إماراتيٌ سابقٌ مثيرٌ للجدل، يعكس تزايد نفوذ الاستثمارات الخليجية في قطاعات حيوية عالميًا، وإن كانت تواجه تدقيقًا مستمرًا بشأن مصادرها وتأثيرها.

تنهي الصفقة، حال موافقتها، نحو ثلاث سنوات من حالة عدم اليقين التي خيمت على هذه العناوين الصحفية العريقة. مستقبلها ظل معلقًا منذ سيطر “لويدز بانكينغ غروب” على المجموعة بدلًا من ديون غير مدفوعة استحقت على المالكين السابقين، الأخوين باركلي. فترةٌ مضطربةٌ أرهقت الصحيفة وطواقمها التحريرية.

كانت “ريدبيرد آي إم آي” قد حاولت السيطرة على العناوين في عام 2023 متجاوزة عملية مزاد عبر شراء الديون مباشرة من “لويدز”. لكن الحكومة المحافظة حينها عرقلت الصفقة بعد حملة معارضة قادتها صحف “التيليغراف” وحلفاؤها في البرلمان. تدخلٌ حكوميٌ حاسم يهدف لحماية مؤسسات إعلامية حساسة. هذه المحاولات تذكر بالتدخلات الحكومية المشابهة في بعض الدول العربية لمنع استحواذات أجنبية تعتبر تهديدًا للسيادة الإعلامية أو الثقافية.

اعترضت الحكومة على ما اعتبرته ملكية دولة فعلية، كون “ريدبيرد آي إم آي” مملوكة بأغلبية لصندوق الثروة السيادي في أبوظبي. قلقٌ غربيٌ متجددٌ من النفوذ السيادي الذي قد يطال الإعلام.

عدلت الحكومة القانون لمنع أي كيان حكومي من امتلاك أكثر من 15% من مجموعة إعلامية بريطانية، ما حال دون تحويل “ريدبيرد آي إم آي” لديونها إلى أسهم. تشريعٌ صارمٌ يحد من النفوذ الأجنبي المباشر.

توالى بعد ذلك العديد من المتقدمين بالعرائض والمستحوذين، ومنهم “ريدبيرد” نفسها لكن دون دعم أبوظبي. لكن محاولتهم للسيطرة واجهت اعتراضات من طاقم تحرير “التيليغراف” وأعضاء البرلمان، الذين أثاروا مخاوف بشأن الاستثمارات الصينية وغيرها من الاستثمارات الخليجية. رفضٌ قاطعٌ لاستثمارات خليجية وصينية، يعكس توترًا متزايدًا في العلاقة بين الاستثمارات الأجنبية الحساسة والسيادة الإعلامية في الغرب.

شكلت فترة السنوات الثلاث من التوقف اضطرابًا كبيرًا للموظفين. أمل البعض في أن تجلب صفقة مع “ديلي ميل” الاستقرار وملكية مألوفة، خاصة وأن رئيس تحرير “ديلي تيليغراف” كريس إيفانز كان سابقًا موظفًا في “ميل”، وللصحف توجهات سياسية متشابهة. اضطرابٌ ينهك الروح المعنوية للعاملين.

تترقب الأوساط السياسية في وستمنستر، والمنافسون، تبعات انتقال “التيليغراف” المتشددة في مواقفها المناهضة لأوروبا، إلى ملكية ألمانية. تساؤلاتٌ حول التوجه المستقبلي للصحيفة تطفو على السطح، خاصة وأن أحد المبادئ التأسيسية لـ “أكسل شبرينغر” هو الالتزام بـ “أوروبا موحدة”. تناقضٌ صارخٌ يثير التكهنات حول مصير الخط التحريري.

أكد ماتياس دوبفنر، الرئيس التنفيذي لـ “أكسل شبرينغر”، في بيان، احترامه لاستقلالية “التيليغراف” التحريرية، وأن هدفه هو بناء المنفذ الإعلامي الرائد ليمين الوسط في العالم الناطق بالإنجليزية. وعودٌ معتادةٌ بالحياد، لكن التطبيق يظل محكًا حقيقيًا.

قال دوبفنر: “امتلاك هذه المؤسسة العريقة للصحافة البريطانية الجودة شرف وواجب”.

وتابع: “نسعى لتنمية ‘التيليغراف’ مع الحفاظ على طابعها المميز وإرثها، لمساعدتها لتصبح المنفذ الإعلامي الأوسع قراءة والأكثر إلهامًا ليمين الوسط في العالم الناطق بالإنجليزية”.

اختتم دوبفنر تصريحاته بقوله: “ندرك أن الصحفيين والموظفين المميزين في مجموعة تيليغراف ميديا يعملون في فترة طويلة من عدم اليقين. هذا ليس سهلاً أبدًا. نريد إنهاء هذا الغموض في أقرب وقت ممكن والترحيب بكم في أكسل شبرينغر”.

صرح متحدث باسم وزارة الثقافة والإعلام والرياضة البريطانية: “نلاحظ الإعلان اليوم بشأن بيع مجموعة تيليغراف ميديا”. موقفٌ حكوميٌ حذرٌ ومراقب، يعكس حساسية الملف.

ستتبع وزيرة الدولة، كما فعلت دائمًا، العملية التنظيمية المعمول بها وتقييم الصفقة الجديدة المقترحة. سنُبقي البرلمان على اطلاع دائم بهذه العملية.

مقالات ذات صلة