صحة

علماء يكتشفون قدرة خفية للقلب على بناء مجارٍ دموية بديلة لإنقاذ نفسه بعد النوبات القلبية

دراسة في مجلة Science تكشف آلية تحول الشعيرات الدموية إلى شرايين بديلة عقب النوبات القلبية

محرر في قسم الصحة، يهتم بنقل الأخبار المتعلقة بالصحة العامة والتقارير العلمية المبسطة

تنجم النوبات القلبية (احتشاء عضلة القلب) عن انسداد الشريان التاجي المغذي للقلب، مما يؤدي إلى انقطاع مفاجئ للأكسجين والمغذيات الضرورية لاستمرار عمل العضلة القلبية.

وعقب الانسداد مباشرة، ينشط الجسم تدابير طوارئ بيولوجية تلقائية؛ حيث أظهرت الأبحاث السابقة أن القلب يحاول توسيع الشرايين الأخرى أو بناء شرايين جديدة لتكون بمثابة مجارٍ بديلة لتجاوز الانسداد، غير أن هذه الاستجابات الطبيعية غالباً ما تكون بطيئة وغير كافية لمنع تلف الأنسجة أو الوفاة.

وتواجه الرعاية الطبية الحالية تحدياً استثنائياً في التعامل مع انسداد الشعيرات الدقيقة؛ إذ بينما يمكن للتدخلات الجراحية مثل القسطرة أو زراعة الشرايين معالجة انسداد الشرايين التاجية الكبيرة، تتلف الشبكات المجهرية للأوعية الدموية غالباً دون إمكانية للترميم الجراحي المباشر.

وفي هذا السياق، كشف فريق تحقيقي من الأكاديمية الصينية للعلوم عن وجود آلية ترميم بديلة تعتمد كلياً على الشعيرات الدموية الدقيقة التي تربط الشرايين بالأوردة.

أظهر التحليل محاولة الشعيرات الدموية بناء مسارات بديلة لتعزيز تدفق الدم. (تشانغ وآخرون، مجلة Science، 2026)

وفي الدراسة التي نُشرت في مجلة Science، فصل الباحثون للمرة الأولى كيفية عمل نظام الترميم الطبيعي هذا، وكيفية تعزيزه صناعياً لرفع فرص التعافي بعد التعرض لاحتشاء عضلة القلب.

وقال الباحثون في ورقتهم المنشورة: “تعيد هذه النتائج بمجموعها تعريف المنشأ الخلوي والآلية المتبعة في تشكّل الشعيرات التاجية المباشرة، مع تسليط الضوء على دورها في تسهيل الترميم الفعال لعضلة القلب”.

واعتمد الفريق في البداية على تقنية تعقب خلوي أكثر دقة مقارنة بالدراسات السابقة، ما مكنهم من مراقبة سلوك الخلايا البطانية (التي تبطن الأوعية الدموية) في الشرايين الرئيسية والشعيرات الدموية الدقيقة على حد سواء.

وأظهرت النماذج التجريبية التي أُجريت على الفئران خلال الحوادث القلبية نتيجة غير متوقعة؛ إذ تبين أن الخلايا البطانية في الشعيرات الدموية الصغيرة، وليس الشرايين الكبيرة، هي التي تولت العبء الأكبر في محاولة إعادة توجيه مسار التدفق الدموي.

YouTube Thumbnail

وتعمل هذه الشعيرات الدموية عملياً على ترقية بنيتها لتحاكي خصائص الشرايين كآلية ترميمية، وهي آلية بيولوجية تشبه ما يحدث لدى الفئران حديثة الولادة أثناء مراحل نمو القلب.

وأوضح الباحثون: “تحاكي هذه العملية البرنامج التنموي الذي تندمج فيه الخلايا البطانية للشعيرات الدموية لتشكيل فروع شريانية تاجية ذات أقطار صغيرة أثناء نمو قلب حديثي الولادة”.

وبناءً على تلك الملاحظات، سعى الفريق إلى التثبت مما إذا كان بمقدورهم تحفيز عملية بناء هذه التحويلات الدموية كخيار لتطوير بروتوكولات علاجية مستقبلية.

وحدد الباحثون البروتين الإشاري VEGF-A، المسعف لنمو الأوعية الدموية، كمرشح محتمل؛ وحين أُعطي للفئران عبر جرعات مكثفة وقصيرة الأجل، أطلق البروتين تفاعلاً كيميائياً متسلسلاً زاد من قوة التحويلات الشريانية الناشئة.

ويُعد العامل الجيني VEGF-A أساسياً في تخليق الأوعية الدموية، إلا أن التحدي العلمي السابق كان يكمن في أن الحقن المستمر له يؤدي إلى نمو عشوائي غير منتظم؛ وهو ما دفع الفريق إلى اعتماد نمط الجرعات المؤقتة والدقيقة لضمان تحول الشعيرات إلى شرايين وظيفية متماسكة.

وأظهرت الفئران التي تلقت جرعات مُحسّنة من عقار VEGF-A تحسناً ملموساً في تدفق الدم حول المنطقة المصابة، وانخفاضاً في حجم الندوب القلبية، إلى جانب تحسن الأداء الوظيفي للقلب.

وذكر الباحثون في هذا الصدد: “قد يؤدي الملحق المعتدل لـ VEGF-A أيضاً إلى استعادة وظيفة الدورة الدموية الدقيقة، مما يشير إلى أن استهداف البيئة الوعائية الدقيقة يمثل استراتيجية علاجية ذات قيمة”.

ويرتبط هذا الاكتشاف بشرط أساسي، وهو أن جميع التجارب أُجريت على الفئران وليس البشر، غير أن المؤشرات ترجح وجود عمليات بيولوجية مماثلة داخل القلب البشري عند التعرض للإصابات.

وبعد وضع تفاصيل هذه الآلية الاحتياطية الطبيعية، يمكن للباحثين البدء في تقييم كيفية الاستفادة منها لتطوير عقاقير مخصصة لمرضى النوبات القلبية.

وفي الولايات المتحدة، تتجاوز نسبة البقاء على قيد الحياة عقب النوبات القلبية للمرضى داخل المستشفيات 90 بالمئة، لكن هذه الإصابات غالباً ما تترك أضراراً دائمة تتطور لاحقاً إلى مشكلات في الجهاز قلبي الوعائي.

ومن شأن تقديم علاجات تسرّع تدفق الدم وتحد من الندوب النسيجية فور وقوع النوبة القلبية المساعدة في تقليل تلك المضاعفات الطويلة الأجل.

موضوع ذو صلة: للقلب دِماغٌ خاصٌّ بهِ.. وهو مُعقَّدٌ على نحوٍ مُفاجِئ.

وتشير المعطيات إلى تحقيق تقدم في فهم الأسباب الجوهرية للنوبات القلبية وسبل التعامل معها، والتي قد تتضمن دعم آليات الترميم الذاتية التي يمتلكها الجسم.

وأكد الباحثون أن “هذه النتائج تضع عملية تحول الشعيرات إلى شرايين كآلية مركزية لإعادة التوعي الداخلي، وتقدم استراتيجية علاجية محتملة لأمراض القلب الإقفارية”.

نُشر هذا البحث الحاسم في دورية Science، وخضع لمراجعة وتدقيق علمي دقيق من قِبل الباحثة راشيل غارنر والمحرر بيتر دوكريل لضمان سلامة النماذج والتأكد من موثوقية الاستنتاجات الطبية المقدمة.

مقالات ذات صلة