«ضايل عِنا عرض»: صمود الفن في وجه الدمار بمهرجان القاهرة السينمائي
«ضايل عِنا عرض»: وثائقي غزة يضيء شاشات القاهرة برسالة أمل

في ليلة استثنائية ضمن فعاليات مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته السادسة والأربعين، شهد المسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية عرضًا عالميًا أول لفيلم وثائقي يحمل في طياته صرخة أمل من قلب المعاناة. «ضايل عِنا عرض»، ليس مجرد فيلم، بل هو شهادة حية على قدرة الروح البشرية على الإبداع والصمود حتى في أحلك الظروف، وهو ما يلمسه المشاهد بوضوح.
قصة صمود
يتعمق الفيلم، من إخراج مي سعد وأحمد الدنف، في قصة فرقة «سيرك غزة الحر» التي تضم يوسف، بطوط، إسماعيل، محمد، وجاست. هؤلاء الفنانون، الذين أجبرتهم ويلات الإبادة الجماعية على النزوح من شمال غزة إلى جنوبها، رفضوا الاستسلام لليأس. لقد حوّلوا فنهم إلى فعل مقاومة نبيل، مقدمين عروضهم للأطفال في الملاجئ والشوارع، في مشهد يدمي القلب ويُعلي من شأن الروح البشرية في آن واحد.
وسط الدمار الذي يخيّم على القطاع، تصبح عروض السيرك تلك بمثابة شعلة صغيرة من الفرح، تمنح الأطفال لحظات من البهجة المفقودة. يُرجّح مراقبون أن الفيلم لا يوثق فقط قصة فنانين، بل يجسد فلسفة عميقة مفادها أن الفن قادر على أن يكون ملاذًا وملهمًا، رسالة تتجاوز الشاشات لتلامس الوجدان وتؤكد أن الأمل لا يزال «ضايل عِنا عرض» رغم كل شيء.
رؤية المخرجين
يمثل «ضايل عِنا عرض» التجربة الإخراجية الوثائقية الطويلة الأولى لكل من مي سعد وأحمد الدنف، وهو ما يضفي على العمل طابعًا خاصًا من الشغف والحداثة. مي سعد، صانعة أفلام مصرية ذات خبرة في الأفلام الروائية، تخطو بهذا العمل خطوة مهمة في مسيرتها، بينما يضيف أحمد الدنف، المصور السينمائي القادم من غزة، بعدًا أصيلًا للرواية. فكونه من أبناء القطاع، يمنحه فهمًا عميقًا للواقع الذي يصوره، ما يجعل كل لقطة تحمل ثقل التجربة الشخصية.
تجربة الدنف السابقة، التي توجت بجائزة يوسف شاهين في مهرجان القاهرة السينمائي 2024 عن فيلمه القصير «يوم دراسي»، تؤكد موهبته وقدرته على التقاط التفاصيل الإنسانية المؤثرة. هذا التزاوج بين الرؤية المصرية والدانفية، يُثري الفيلم ويجعله أكثر قدرة على نقل الصورة بكل أبعادها، من الألم إلى الصمود، ومن اليأس إلى بصيص الأمل الذي لا ينطفئ.
القاهرة ومنصة الفن
اختيار مهرجان القاهرة السينمائي الدولي لعرض «ضايل عِنا عرض» ضمن عروض الجالا ليس مصادفة، بل هو تأكيد على دور المهرجان كمنصة ثقافية وفنية رائدة. المهرجان، الذي يُعد أحد أعرق المهرجانات في العالم العربي وأفريقيا ومعتمدًا من الاتحاد الدولي للمنتجين «FIAPF»، يحرص دائمًا على الجمع بين البعد الفني والمهني، وتقديم أعمال تعكس الواقع وتثير النقاشات الهامة.
يُشير محللون إلى أن عرض فيلم بهذه الحساسية والأهمية في ظل الظروف الراهنة، يعزز من مكانة المهرجان كصوت للسينما العربية والإنسانية، ويؤكد التزامه بدعم القضايا العادلة. إنه ليس مجرد عرض لفيلم، بل هو رسالة تضامن فنية وثقافية، تضع القضية الفلسطينية في قلب اهتمام السينما العالمية، وتُعلي من شأن الفن كأداة للتعبير عن الصمود والأمل في وجه المحن.
في الختام، يمثل «ضايل عِنا عرض» أكثر من مجرد فيلم وثائقي؛ إنه مرآة تعكس قدرة الإنسان على مقاومة الدمار بالجمال، ومواجهة اليأس بالأمل. عرضه في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي يمنحه منصة عالمية ليروي قصة لا تخص غزة وحدها، بل تخص كل إنسان يؤمن بقوة الفن في تغيير الواقع، ويدرك أن حتى في أحلك الظروف، «ضايل عِنا عرض» للحياة والأمل.








