شريان غاز من أثينا إلى كييف.. صفقة استراتيجية لمواجهة الشتاء الروسي
كيف تؤمّن أوكرانيا تدفئة الشتاء عبر بوابة اليونان؟ صفقة غاز أمريكي تعيد رسم خريطة الطاقة الأوروبية.

في خطوة تبدو وكأنها سباق مع الزمن والصقيع، أبرمت أوكرانيا اتفاقاً حيوياً مع اليونان لتأمين إمدادات الغاز الطبيعي اللازمة لعبور فصل الشتاء القادم. إنها ليست مجرد صفقة تجارية، بل رسالة سياسية واضحة في قلب الصراع الممتد، حيث أصبحت الطاقة ساحة معركة لا تقل ضراوة عن الميدان.
اتفاق الشتاء
أُعلن الاتفاق عقب لقاء جمع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس في أثينا، حيث ستتولى شركة “ديبا كوميرشال” اليونانية تزويد شركة “نفتوغاز” الأوكرانية بالغاز الطبيعي الأمريكي المسال. من المقرر أن تبدأ الإمدادات في ديسمبر وتستمر حتى مارس، وهي الشهور الأكثر قسوة في الشتاء الأوكراني.
ضربات منهجية
يأتي هذا التحرك في وقت حرج للغاية. فقد دمرت الضربات الجوية الروسية خلال الأشهر الماضية ما يزيد على نصف قدرة أوكرانيا على إنتاج الغاز محلياً. يرى محللون أن استهداف البنية التحتية للطاقة ليس عملاً عسكرياً عشوائياً، بل استراتيجية روسية منهجية تهدف إلى كسر إرادة الصمود لدى الأوكرانيين عبر حرمانهم من التدفئة والكهرباء. قصة صمود إنسانية في مواجهة حسابات الحرب الباردة.
طموح يوناني
بالنسبة لليونان، يمثل الاتفاق أكثر من مجرد دعم لحليف. إنه خطوة ملموسة نحو تحقيق طموحها بأن تصبح مركزاً إقليمياً لنقل وتوزيع الطاقة في جنوب شرق أوروبا. فبينما يسعى الاتحاد الأوروبي جاهداً للتخلص من الاعتماد على الغاز الروسي، تضع أثينا نفسها كبوابة رئيسية للغاز الأمريكي المسال القادم إلى القارة. يبدو أن الجغرافيا السياسية ترسم خرائط جديدة للطاقة.
ممر عمودي
سيتم نقل الغاز عبر ما يُعرف بـ “الممر العمودي”، وهو مشروع طموح لتوسيع شبكة خطوط الأنابيب التي تنقل الغاز من اليونان شمالاً عبر بلغاريا ورومانيا ومولدوفا وصولاً إلى أوكرانيا، بل وحتى المجر. بحسب خبراء في مجال الطاقة، فإن هذا الممر لا يؤمّن احتياجات كييف فحسب، بل يعزز أمن الطاقة لدول شرق أوروبا بأكملها، ويقلص نفوذ موسكو التقليدي في المنطقة.
في المحصلة، يتجاوز هذا الاتفاق كونه مجرد شحنات من الغاز المسال. إنه يجسد تحولاً استراتيجياً في بنية الطاقة الأوروبية، حيث تتشابك فيه ضرورة البقاء الأوكرانية مع الطموحات الاقتصادية اليونانية، ضمن سياق دولي أوسع يهدف إلى بناء نظام طاقة عالمي أقل اعتماداً على الإمدادات الروسية.










