سون يبيع أسهم إنفيديا بـ”دموع” لتمويل رهانه الأكبر: هل هي استراتيجية عبقرية أم تضحية مكلفة؟
تحليل عميق لقرار "سوفت بنك" بالتخلي عن جوهرة التكنولوجيا من أجل بناء إمبراطورية الذكاء الاصطناعي الجديدة، وكيف يعيد رأس المال السعودي تشكيل المشهد.

“كنت أبكي وأنا أبيع أسهم إنفيديا”، بهذه العبارة لخص ماسايوشي سون التكلفة العاطفية لقرار استراتيجي بارد، حيث كشف أن تصفية حصة “سوفت بنك” في عملاق الرقائق لم يكن مؤشراً على تشاؤم من السوق، بل كان تضحية ضرورية لتأمين السيولة لرهان أكبر وأكثر تكلفة. هذا الإجراء يعكس معضلة كلاسيكية في عالم الاستثمار: هل تتمسك بأصل فائق النمو أثبت جدارته، أم تبيع الرابح لتمويل ما قد يصبح الموجة التكنولوجية التالية؟
التخلي عن الرابح من أجل المستقبل
إن قرار التخارج من “إنفيديا”، الشركة التي أصبحت الأعلى قيمة في العالم، يمثل نقطة تحول في استراتيجية “سوفت بنك”، حيث تنتقل المجموعة من كونها مستثمراً في تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى طامح لبناء بنيته التحتية الأساسية. فبدلاً من الاستفادة من عوائد مصمم الرقائق، اختار سون توجيه رأس المال نحو مشاريع أكثر عمقاً وتكلفة، مثل مركز بيانات “ستارغيت” بالتعاون مع “هون هاي”، والاستحواذ على شركة تصميم الرقائق “أمبير كومبيوتينغ”، بالإضافة إلى ضخ استثمارات إضافية مرتقبة في “أوبن إيه آي”. لقد أصبحت السيولة هي الأصل الأكثر قيمة بالنسبة لسون في هذه المرحلة. فالحاجة إلى تمويل مشاريع تتطلب إنفاقاً رأسمالياً هائلاً، مثل مراكز البيانات التي تستهلك طاقة هائلة كما توضح تقارير وكالة الطاقة الدولية، جعلت الاحتفاظ بأسهم “إنفيديا” ترفاً لا يمكن تحمله.

أين هي الفقاعة المزعومة؟
في مواجهة الأصوات التي تحذر من “فقاعة” في تقييمات شركات الذكاء الاصطناعي، يقدم سون منظوراً اقتصادياً كلياً بدلاً من التحليل المالي الجزئي. منطقه بسيط: إذا نجح الذكاء الاصطناعي في إضافة ما يعادل 10% إلى الناتج المحلي الإجمالي العالمي على المدى الطويل، فإن استثمار تريليونات الدولارات اليوم يصبح مبرراً اقتصادياً ومنطقياً. هذه ليست لغة مضارب في البورصة، بل هي لغة رأسمالي مغامر يراهن على تحول اقتصادي جذري يغير هيكل الإنتاجية العالمية، تماماً كما فعلت الكهرباء والإنترنت من قبل. من وجهة نظره، الحديث عن فقاعة يتجاهل الحجم الحقيقي للتغيير القادم. هل يمكن حقاً وصف استثمار يهدف إلى إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي بأنه مجرد فقاعة؟

العمق الاستراتيجي للشراكة السعودية
لم تكن هذه الرؤية الطموحة لتتحقق لولا الدعم المالي الهائل الذي وفره صندوق الاستثمارات العامة السعودي، الذي ضخ 45 مليار دولار في “صندوق رؤية 1″، وهو ما شكل حجر الزاوية الذي انطلقت منه رهانات “سوفت بنك” الكبرى. إن تصريحات سون في طوكيو، ضمن فعالية تابعة لمبادرة مستقبل الاستثمار السعودية، لم تكن مصادفة، بل جاءت لتؤكد على عمق التحالف المالي بين الرياض وطوكيو. الأرقام التي كشف عنها محافظ الصندوق ياسر الرميان، باستثمار 11.5 مليار دولار في اليابان منذ 2017 وتوقع وصولها إلى 27 مليار دولار بحلول 2030، تظهر أن هذه العلاقة تتجاوز تمويل صندوق واحد لتصبح شراكة اقتصادية طويلة الأمد. “سوفت بنك” هنا لا يعمل كصندوق استثماري فحسب، بل كجسر استراتيجي يمر عبره رأس المال السعودي لإعادة رسم خريطة التكنولوجيا العالمية.






