سد النهضة يلقي بظلاله على استقبال سفير مصر في إثيوبيا

في خطوة دبلوماسية تحمل دلالات متعددة، تسلم الرئيس الإثيوبي تاي أتسكي سيلاسي أوراق اعتماد السفير المصري الجديد عبيدة الدندراوي في أديس أبابا. يأتي هذا التطور في وقت تتصاعد فيه حدة التوترات بشأن ملف سد النهضة بين البلدين، مما يضفي على المشهد الدبلوماسي أبعادًا إضافية تتجاوز البروتوكولات المعتادة.
الاستقبال الرسمي للسفير المصري يمثل نقطة تواصل مهمة، لكنه جرى في ظل استمرار الخلافات الجوهرية حول مشروع سد النهضة، الذي يمثل تحديًا استراتيجيًا للأمن المائي المصري. هذا التوقيت الدقيق يبرز أهمية كل كلمة وتصريح يصدر عن الجانبين، ويؤكد أن الدبلوماسية لا تتوقف حتى في أوقات التوتر.
رسائل إثيوبية: تعاون وتفاؤل حذر
وفقًا لما نقلته وكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية (إينا)، شدد الرئيس سيلاسي خلال مراسم الاستقبال على عمق العلاقات التاريخية والمتعددة الأبعاد التي تربط إثيوبيا ومصر. أكد الرئيس الإثيوبي على وجود فرص تعاون واسعة بين البلدين، خاصة في مجالات حيوية مثل الزراعة والصناعة والتصنيع، في محاولة لفتح آفاق أوسع للتعاون الثنائي.
وأشار سيلاسي إلى أن بعض القضايا الفنية ما تزال قائمة، لكنه أعرب عن ثقته في قدرة الطرفين على التعامل معها بـ”الحكمة والمسؤولية المشتركة”. هذه الإشارة، وإن كانت دبلوماسية، تحمل دلالات واضحة إلى الخلافات المستمرة حول سد النهضة، وتؤكد أن أديس أبابا تفضل مقاربة فنية للقضية، مع التفاؤل بإمكانية تجاوزها.
موقف مصري حازم: لا لإجراءات أحادية
في المقابل، جدد الرئيس عبد الفتاح السيسي، في كلمة مسجلة خلال الجلسة الافتتاحية لأسبوع القاهرة الثامن للمياه، موقف بلاده الحازم تجاه ما وصفه بـ”النهج غير المسؤول” من جانب إثيوبيا في إدارة ملف سد النهضة. هذا التصريح يعكس مستوى القلق المصري من التداعيات المحتملة لأي إجراءات أحادية الجانب.
وأكد السيسي أن مصر لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي إجراءات أحادية الجانب تمس حقوقها المائية، مشددًا على أن بلاده ستتخذ جميع الإجراءات الضرورية لحماية أمنها المائي. هذه التصريحات القوية تأتي لتؤكد على الخطوط الحمراء المصرية في التعامل مع قضية نهر النيل، وتضع حدًا لأي محاولات لتجاهل المصالح المصرية.
التعاون الدولي أساس الأمن المائي
وأضاف الرئيس السيسي أن مستقبل الأمن المائي مرهون بالتعاون الدولي الفعال، القائم على الالتزام بقواعد القانون الدولي واجبة التطبيق. كما شدد على أهمية الاعتماد على التطوير والابتكار والبحث العلمي كركائز أساسية لإدارة الموارد المائية، في رؤية شاملة تتجاوز حدود الخلافات الراهنة.
ودعا السيسي إلى أن يكون الجميع شركاء في تحويل الرؤى إلى واقع، والأفكار إلى مشروعات، والتوصيات إلى مبادرات ملموسة للحفاظ على الماء، هذا المورد الوجودي. واعتبر “أسبوع القاهرة للمياه” نقطة انطلاق حقيقية نحو عالم يكون فيه الماء جسرًا للتعاون لا ساحة للصراع، ومصدرًا للأمل لا سببًا للنزاع، في دعوة واضحة لتبني حلول سلمية ومستدامة.
رفض قاطع للممارسات الأحادية
وأكد السيسي رفض مصر القاطع لأي ممارسات أحادية على نهر النيل تتعارض مع الاتفاقات الدولية وتهدد مصالح شعوب حوض النهر. موضحًا أن التنمية “ليست حقًا حصريًا لأي دولة، بل مسؤولية جماعية تتطلب التعاون لا الانفراد بالقرارات”، وهو ما يضع القضية في إطار أوسع من المسؤولية المشتركة.
كما أوضح الرئيس أن بلاده انتهجت على مدى 14 عامًا مسارًا تفاوضيًا اتسم بالصبر والحكمة، بهدف التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن ملء وتشغيل سد النهضة. هذا الاتفاق يهدف إلى ضمان مصالح جميع الأطراف ويوازن بين الحقوق والالتزامات، مما يؤكد على جدية المساعي المصرية لحل الأزمة دبلوماسيًا.
دبلوماسية متوازنة في ظل جمود فني
تأتي هذه التطورات الدبلوماسية في وقت لا تزال فيه المحادثات الفنية حول سد النهضة تراوح مكانها، مما يعمق من حالة الجمود. استقبال السفير المصري في أديس أبابا، وما صاحبه من تصريحات، يعكس محاولة للجمع بين الحفاظ على قنوات التواصل الدبلوماسي وبين التعبير عن المواقف الثابتة لكل طرف.
التبادل الدبلوماسي، رغم أهميته، لا يغير من حقيقة أن الخلافات الجوهرية حول سد النهضة لا تزال قائمة، وتتطلب حلولًا عملية وملزمة. التحذيرات المصرية المتكررة من تداعيات استمرار الإجراءات الأحادية من قبل إثيوبيا تؤكد أن القاهرة لن تتهاون في الدفاع عن حقوقها المائية، وأن هذه القضية تبقى على رأس أولوياتها الوطنية.









