اقتصاد

سباق الذكاء الاصطناعي في الصين: المستثمرون يراهنون على “الأساسات” بدلاً من القمة

بعيدًا عن الرقائق.. الكهرباء والمعادن تجذب استثمارات الذكاء الاصطناعي الصينية

صحفية في منصة النيل نيوز بقسم الاقتصاد، تهتم بتغطية قضايا التنمية والتجارة المحلية والعربية

في هدوء، يتغير مسار حمى الذكاء الاصطناعي في الصين. لم تعد الأضواء مسلطة فقط على شركات الرقائق البراقة، بل بدأت الأنظار تتجه إلى ما هو أعمق وأكثر صلابة: الأساسات المادية التي تقوم عليها هذه الثورة. يبدو أن الحكمة الاستثمارية القديمة بدأت تفرض نفسها: حين يزدحم البحث عن الذهب، استثمر في المعاول والمجارف.

تحول استراتيجي

يعكس هذا التحول قلقًا متزايدًا بين المستثمرين من التقييمات المرتفعة لأسهم الذكاء الاصطناعي الخالصة. فبعد موجة صعود قوية، بات البحث عن القيمة أكثر إلحاحًا. ووفقًا لمحللين، توفر الشركات الداعمة للبنية التحتية التكنولوجية مدخلًا أقل تكلفة وأكثر أمانًا نسبيًا للمشاركة في الطفرة، وهو ما يفسر الأداء القوي لأسهم قطاعات تبدو تقليدية للوهلة الأولى.

كهرباء أولًا

المعادلة بسيطة ومنطقية، كما لخصها محللو “بنك أوف أميركا سيكيوريتيز” في مذكرة حديثة: “لا ذكاء اصطناعي بلا كهرباء”. فمراكز البيانات، التي تمثل عقل الذكاء الاصطناعي، هي كيانات شرهة للطاقة. وتشير التقديرات إلى أن الصين، بقدراتها الهائلة على توليد الطاقة وتكاليفها المنخفضة، في وضع مثالي لتلبية هذا الطلب المتنامي، وهو ما انعكس بالفعل على أداء مؤشر أسهم الطاقة الذي صعد بنحو 10% خلال أكتوبر الماضي.

معادن الذكاء

ليست الكهرباء وحدها ما يهم. فبناء مراكز البيانات والخوادم يتطلب كميات هائلة من المعادن، وعلى رأسها النحاس والألمنيوم. لقد عادت هذه “السلع القديمة” إلى الواجهة كمكون أساسي في الثورة الرقمية الجديدة. يتوقع مراقبون نموًا سنويًا مركبًا لاستخدام النحاس في هذا القطاع بنسبة 20% حتى عام 2030، ما يفسر القفزات التي حققتها أسهم شركات مثل “ألومنيوم كورب أوف تشاينا” مؤخرًا. إنه استثمار في الهيكل العظمي للتكنولوجيا.

طاقة وألياف

تمتد النظرة الاستثمارية لتشمل أيضًا أنظمة تخزين الطاقة لضمان التشغيل دون انقطاع، وهو أمر حيوي لمراكز البيانات، بالإضافة إلى مكونات الاتصالات الضوئية التي تربط آلاف الرقائق معًا. شركات مثل “كاتل” (CATL) في مجال البطاريات، و”تشونغجي إنولايت” في الألياف الضوئية، تشهد اهتمامًا متزايدًا، مما يؤكد أن المستثمرين باتوا ينظرون إلى سلاسل توريد التكنولوجيا كمنظومة متكاملة.

في النهاية، ما نشهده في السوق الصينية قد لا يكون مجرد تحول تكتيكي قصير الأجل، بل مؤشر على نضج رؤية المستثمرين تجاه ثورة الذكاء الاصطناعي. لقد تجاوز الاهتمام مرحلة الانبهار بالبرمجيات والخوارزميات إلى فهم أعمق لمتطلباتها المادية. هذا التحول نحو “اقتصاد الذكاء الاصطناعي الحقيقي” يشي بأن السباق لم يعد يقتصر على من يبتكر الخوارزمية الأذكى، بل يشمل أيضًا من يمتلك البنية التحتية الأقوى لتشغيلها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *