ذكاء البعوض يهدد فاعلية “الديت”: دراسة تحذر من تحول طارد الحشرات إلى وسيلة لجذبها
فشل تكتيكي في مواجهة ذكاء الحشرات

تواجه مادة “الديت” (DEET)، المعيار الذهبي عالمياً في طرد الحشرات منذ تطويرها في الجيش الأمريكي عقب الحرب العالمية الثانية، ثغرة أمنية غير متوقعة تتعلق بالقدرات الإدراكية للبعوض. وكشفت دراسة حديثة قادها الباحث كلاوديو لازاري من جامعة “تور” الفرنسية، أن البعوض يمتلك قدرة على التعلم وربط الروائح الكريهة بالمكافآت الغذائية، ما يعني أن استخدام طارد الحشرات بتركيزات غير كافية قد يحوله إلى “إشارة جذب” بدلاً من كونه وسيلة حماية.
البعوض يتذكر المكافأة.
وتوصل الفريق البحثي عبر تجارب مخبرية إلى أن تعريض البعوض لمادة “الديت” أثناء حصوله على وجبة دم يؤدي إلى تغيير سلوكه المستقبلي، حيث تصبح الحشرة أكثر ميلاً للهجوم عند شم المادة مرة أخرى. ويعتمد البعوض في تحديد ضحاياه على أجهزة استشعار دقيقة في قرون استشعاره وخرطوم الامتصاص (الجزء الذي يثقب الجلد)، تلتقط ثاني أكسيد الكربون الناتج عن التنفس وحمض اللبنيك الموجود في العرق، وهو النظام الذي كانت مادة “الديت” تنجح في تشويشه وتعطيله لعقود.
أظهرت النتائج المنشورة في “مجلة البيولوجيا التجريبية” أن 50% من البعوض الذي خضع لتدريب على ربط المادة بالدم حاول لسع يد مغطاة بـ “الديت”، في حين تجنب البعوض غير المدرب تلك اليد بنسبة 100%، مما يثبت أن استجابة الحشرات للمادة ليست مجرد رد فعل جسدي غريزي بل عملية عقلية قابلة للتعديل.
ويأتي هذا الكشف في وقت حساس تتزايد فيه المخاوف الدولية من انتشار الأمراض المدارية مثل الحمى الضنكية وفيروس “زيكا” خارج نطاقاتها التقليدية بفعل التغير المناخي والزحف العمراني، مما يضع استراتيجيات الوقاية الشخصية تحت ضغط جديد. ومع أن البحث أثبت فاعلية “الديت” في منع اللسع لمدة تصل إلى خمس ساعات في الظروف العادية، إلا أن قدرة البعوض على تجاوز “حاجز الخوف” الكيميائي تعني أن الحشرات التي تفلت من تأثير المادة في المرة الأولى قد تصبح أكثر عدوانية في المرات القادمة.
ويعتقد العلماء أن المادة تعمل عن طريق تغيير طريقة عمل دماغ البعوض بجعله غير قادر على تمييز رائحة الإنسان، وليس فقط تنفيره منها. ومع ذلك، فإن هذه القدرة على التكيف السلوكي تثير تساؤلات حول جدوى الاعتماد طويل الأمد على المركبات الكيميائية وحدها في ظل وجود جينات وراثية لدى بعض سلالات البعوض تجعلها غير حساسة لهذه المواد منذ الولادة.









