خطبة الجمعة: كلمة «أنا».. بين نور الأمان ونار الأنانية

كتب: أحمد محمود
تناولت خطبة الجمعة الأخيرة موضوعًا بالغ الأهمية، وهو دلالة كلمة «أنا» بين كونها نورًا يُضيء دروب الخير، ونارًا تُحرق بنيران الأنانية. استهدفت الخطبة توعية الجمهور بالفرق بين من يقول: «أنا خير منكم» بتعالٍ وغرور، ومن يقول: «أنا أمان لكم» بنخوة وشهامة. كما تناولت الخطبة الثانية ظاهرة رشق القطارات بالحجارة، مُحذرةً من عواقبها الوخيمة.
كلمة «أنا».. منارة خير أم بؤرة شر؟
ارتبطت كلمة «أنا» في أذهاننا بالغرور والأنانية، مُذكرةً بكلمة إبليس المهلكة: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ}. لكن، تأتي «أنا» على وجهين: نورانية تزخر بالنخوة والشهامة، ونارية تشتعل بالغرور والتعالي.
«أنا» النورانية.. منهل العطاء
ما أجمل أن نكون من أهل «أنا» النورانية! فهي عالية القدر، يَفوح منها عبق الأمان والإكرام وبذل الخير. صاحبها يمد يد العون للمحتاج، ويُغيث الملهوف، ويُفرّج عن المكروب. إنه يُحبّه الله وأهل السماء، ويُوضع له القبول في الأرض، لأنه نصب نفسه أمانًا وفداءً للناس. كما وصف أنس بن مالك حال النبي صلى الله عليه وسلم: «كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس». وفي يوم حنين، حين كانت الجولة للمشركين، نزل الجناب الأنور من على بغلته، ويقاتلهم وهو يقول: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب». فهذه «أنا» النورانية الميمونة.
«أنا» النارية.. طريق الهلاك
أما «أنا» النارية، فاحذرها! فهي تقوم على الزهو الزائف، ونظرات الاستعلاء، والاندفاع الطائش، والأنانية المفرطة، والنفس المُستكبرة. صاحبها لا يُقدم للناس نفعًا، ولا يكشف عنهم ضرًا، ولا يُساعد لله خلقًا، بل هو صداميّ، استعلائيّ، تخريبيّ، شعاره «نفسي نفسي». ولذلك استحق صاحبها وعيد الله: «الكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالعَظَمَةُ إِزَارِي، فمَنْ نَازعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا، قذفتُهُ فِي النَّارِ».
رشق القطارات.. جريمة مُركبة
أفزعت مجتمعنا ظاهرة رشق القطارات بالحجارة، تلك الظاهرة الغريبة عن تديننا وتراثنا وأعرافنا. لقد طالعنا بقلوب يعتصرها الألم صورة طفلة بريئة من ذوي الهمم تُصاب إصابات بالغة جراء هذا الصنيع العدواني الإجرامي. أليس الاعتداء على القطارات اعتداءً على حرمة نفوس الناس؟ ألم يقل لنا الحبيب صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: «إنَّ دِماءَكُمْ وأَمْوالَكُمْ وأَعْراضَكُمْ علَيْكُم حَرامٌ، كَحُرْمَةِ يَومِكُمْ هذا، في بَلَدِكُمْ هذا، في شَهْرِكُمْ هذا»؟ إن المسلم لا يكون مُفسدًا مُعتديًا، بل نبيلٌ خلوقٌ يحمل الخير والأمان، ويحافظ على أرواح الناس وسلامتهم. القطارات شريان حياة المجتمع، وسبيل تيسير أمور الناس، فعلى الجميع تحمل مسؤوليته في الحفاظ عليها.
الوعي سبيلنا للأمان
الوعي بحق الناس في الحياة والسلامة والأمان يُجنبنا هذه الظواهر السلبية. فلنحافظ على أمانة الحياة وما فيها من نفوس وخدمات. ولنعلم أن الحفاظ على القطارات وصيانتها يحفظ مُرتاديها ويصون نفوسهم.









