خارطة الاستثمار الأجنبي في مصر: سوريا تتصدر عدد الشركات والسعودية تضخ أكبر رؤوس الأموال
بين ريادة أعمال الشتات ورؤوس الأموال الخليجية.. من يقود الاستثمار الأجنبي في مصر اليوم؟

كشفت بيانات رسمية حديثة عن ملامح جديدة لخارطة الاستثمار الأجنبي في مصر خلال العام المالي 2024-2025، حيث برزت مفارقة لافتة تعكس تنوع مصادر التدفقات الاستثمارية ودوافعها. فبينما تصدر المستثمرون السوريون قائمة الجنسيات الأكثر تأسيسًا للشركات، حافظت المملكة العربية السعودية على صدارتها كأكبر مصدر لرؤوس الأموال المستثمرة.
ريادة سورية في العدد.. وعمق خليجي في رأس المال
وفقًا لتقرير الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة، أسس السوريون 4870 شركة جديدة، وهو رقم يعكس حيوية مجتمع الأعمال السوري في مصر وقدرته على الاندماج في قطاعات اقتصادية متنوعة، لا سيما المشاريع الصغيرة والمتوسطة في مجالات الصناعات الغذائية والنسيجية والخدمات. ويرى مراقبون أن هذا التوسع لا يمثل فقط نشاطًا اقتصاديًا، بل هو أيضًا مؤشر على تحول مصر إلى مركز إقليمي لاستقرار رؤوس أموال الشتات السوري.
على الجانب الآخر، ضخ المستثمرون السعوديون 83 مليون دولار عبر تأسيس 781 شركة، مما يؤكد على الطبيعة الاستراتيجية للاستثمارات السعودية التي تركز على القطاعات الكبرى مثل العقارات والطاقة والتكنولوجيا المالية. ويأتي خلفها الاستثمار الإماراتي بقوة، حيث بلغ حجم رؤوس أمواله 62 مليون دولار عبر 242 شركة، مما يعزز من مكانة الاستثمار الخليجي كشريك رئيسي في المشاريع التنموية الكبرى في مصر.
حضور آسيوي متنوع
لم يقتصر المشهد على الاستثمارات العربية، حيث احتلت الصين المرتبة الثالثة من حيث عدد الشركات بواقع 532 شركة، وبحجم استثمارات بلغ 48 مليون دولار. ويعكس هذا الحضور الاهتمام الصيني المتزايد بالسوق المصرية كبوابة استراتيجية لأفريقيا والشرق الأوسط، خاصة في قطاعات البنية التحتية والتكنولوجيا. كما سجلت اليمن وتركيا حضورًا ملحوظًا بتأسيس 521 و439 شركة على التوالي، مما يشير إلى استمرار جاذبية البيئة الاستثمارية المصرية لرؤوس الأموال من دول الجوار الإقليمي.
تحليل الدوافع والتداعيات
يشير الخبير الاقتصادي، الدكتور حسن الصادي، في حديث لنيل نيوز، إلى أن “هذه الأرقام تكشف عن وجود نمطين مختلفين من الاستثمار الأجنبي في مصر: الأول هو استثمار قائم على ريادة الأعمال والبحث عن ملاذ آمن، ويمثله السوريون واليمنيون، والثاني استراتيجي يستهدف عوائد طويلة الأجل وفرصًا ضخمة، وتقوده السعودية والإمارات”. ويضيف الصادي أن “نجاح مصر يكمن في قدرتها على موازنة البيئة التشريعية لتلبية احتياجات كلا النمطين، بما يضمن تدفقات مستدامة ومتنوعة”.
في المحصلة، ترسم هذه البيانات صورة متكاملة لواقع الاستثمار الأجنبي، حيث لم تعد مصر وجهة لرؤوس الأموال الضخمة فحسب، بل أصبحت أيضًا حاضنة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تقودها جاليات أثبتت قدرتها على المساهمة بفعالية في الاقتصاد المصري. ويمثل هذا التنوع مصدر قوة للاقتصاد، إذ يقلل من الاعتماد على مصدر واحد للاستثمار ويعزز من مرونته في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية.









