دمشق تفتح أبوابها لواشنطن: هل يسقط ‘جدار برلين’ الاقتصادي السوري؟
محافظ المركزي السوري يكشف عن حقبة اقتصادية جديدة ترتكز على الاستثمار الأمريكي ورفع العقوبات بعد زيارة الشرع التاريخية.

في خطوة تحمل دلالات سياسية واقتصادية عميقة، وصفت دمشق زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن بأنها “تاريخية”، معلنةً على لسان محافظ مصرفها المركزي، عبد القادر حصرية، أن “جدار برلين في الشرق الأوسط قد سقط”. يأتي هذا التصريح ليرسم ملامح حقبة جديدة للاقتصاد السوري، الذي يستعد للانفتاح على الاستثمارات الغربية، وفي مقدمتها الأمريكية، بعد عقود من التحالف الشرقي والعقوبات الخانقة.
تحول استراتيجي.. ونهاية حقبة
لم يكن وصف حصرية للزيارة مجرد تعبير دبلوماسي، بل كان إشارة واضحة إلى تحول استراتيجي كامل. فمقارنة اللحظة بسقوط جدار برلين تعيد إلى الأذهان نهاية الحرب الباردة، وتُسقط هذا الرمز على الواقع السوري الجديد. يؤشر هذا التصريح إلى أن سوريا تغادر بشكل حاسم حقبة ما قبل 2024، التي اتسمت بالاشتراكية والعزلة الاقتصادية، والتي يرى المسؤولون أنها أوصلت البلاد إلى حافة الانهيار، حيث يعيش 90% من شعبها تحت خط الفقر.
ويرى الدكتور كريم المصري، الخبير في اقتصادات الشرق الأوسط، أن “هذا التحول ليس مجرد انفتاح اقتصادي، بل هو إعادة تموضع جيوسياسي كامل لسوريا في المنطقة. دمشق ترسل رسالة واضحة بأنها اختارت مسارًا اقتصاديًا حديثًا، قائمًا على الانفتاح والشراكة مع أكبر اقتصاد في العالم، وهو ما سيغير قواعد اللعبة في المنطقة”.
سباق الاستثمار الأمريكي يبدأ
يبدو أن الرغبة في التعاون متبادلة، حيث كشف حصرية عن اهتمام أكثر من 22 شركة أمريكية كبرى بدخول السوق السورية، من بينها عمالقة في قطاعات المال والتكنولوجيا والطاقة مثل Visa، وMastercard، وHalliburton. يعكس هذا الاهتمام ثقة متزايدة في استقرار المناخ السياسي الجديد، وإدراكًا للموقع الاستراتيجي الذي تتمتع به سوريا كبوابة تجارية محورية بين الشرق والغرب.
وتؤكد الحكومة السورية الجديدة على رغبتها في بناء علاقات مباشرة مع هذه الشركات، بعيدًا عن شبكات الوكلاء والوسطاء التي سادت في السابق. هذه الرؤية لا تهدف فقط إلى جذب رأس المال، بل إلى تأسيس بيئة عمل شفافة قادرة على دعم مشاريع إعادة الإعمار الضخمة التي تحتاجها البنية التحتية في البلاد، خاصة في قطاعات النفط والغاز والنقل.
تفكيك “قيصر”: العقبة الأخيرة
تظل العقبة الأبرز أمام هذا الانفتاح هي قانون قيصر، الذي فُرض في عام 2019 ويعد من أشد العقوبات التي طالت دمشق. وتأتي زيارة الشرع إلى واشنطن كدفعة سياسية حاسمة لإزالة هذه العقبة، خاصة مع إبداء إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب دعمها لإلغاء القانون. يرى مراقبون أن رفع “قيصر” سيفتح الباب ليس فقط أمام الشركات الأمريكية، بل سيشجع المستثمرين من مختلف أنحاء العالم على العودة إلى سوريا دون خوف من التبعات القانونية.
على الصعيد الفني، تعمل دمشق بجد لإعادة ربط قطاعها المالي بالعالم. فقد تم تفعيل نظام “سويفت” للمراسلات المالية، وتجري حاليًا جهود حثيثة لبناء علاقات مع بنوك مراسلة في الولايات المتحدة وأوروبا ودول الخليج، وهي خطوة لا غنى عنها لتدفق الاستثمارات وإدارة الاحتياطيات النقدية بكفاءة.
ورشة عمل داخلية: إصلاح القطاع المالي
بالتوازي مع الانفتاح الخارجي، يقود المصرف المركزي السوري ورشة عمل داخلية لإصلاح القطاع المالي. وتستهدف الخطة الطموحة مضاعفة عدد المصارف العاملة في البلاد إلى 30 مصرفًا بحلول عام 2030، مع التركيز على تحويل سوريا إلى “مركز إقليمي للتمويل الإسلامي”. ويشمل ذلك تطوير أدوات مالية متقدمة مثل الصكوك الإسلامية لتمويل الموازنة العامة ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
وفي رسالة طمأنة للداخل والخارج، شدد حصرية على أن احتياطي الذهب، الذي يمثل رمزًا للسيادة الاقتصادية، لن يُمس، وأن قوة الاقتصاد السوري الحقيقية تكمن في موارده البشرية وإمكاناته الزراعية والصناعية. كما أكد أن المصرف المركزي لم يعد يمول عجز الموازنة عبر طباعة النقود، في إشارة إلى انضباط مالي غير مسبوق منذ عقود.
في الختام، تبدو سوريا على أعتاب تحول تاريخي، حيث لا تقتصر أهمية زيارة واشنطن على أبعادها السياسية، بل تمتد لتكون حجر الزاوية في بناء اقتصاد سوري جديد. وتبقى الأنظار متجهة نحو النتائج العملية لهذه الزيارة، التي ستحدد سرعة سقوط “جدار برلين” الاقتصادي، وترسم ملامح موقع سوريا الجديد على الخريطة الإقليمية والدولية.









