اقتصاد

حرب الرقائق والمعادن تضع أوروبا في مأزق تاريخي

محررة اقتصادية في منصة النيل نيوز، متخصصة في رصد المؤشرات الاقتصادية وصياغتها بلغة واضحة للجمهور

في خضم الصراع التكنولوجي المحتدم بين واشنطن وبكين، تجد القارة الأوروبية نفسها في وضع لا تُحسد عليه، عالقة بين مطرقة الاعتماد على الخدمات الرقمية الأمريكية وسندان الهيمنة الصينية على المعادن الحيوية. هذا المأزق يهدد مستقبل أوروبا الصناعي ويجعلها الخاسر الأكبر في حرب الكبار الدائرة حاليًا.

يسلط الكاتب ميشا جلينيا، في تحليل نشرته صحيفة “فاينانشيال تايمز”، الضوء على الهشاشة التي تعاني منها أوروبا. فبينما تعتمد القارة بشكل شبه كامل على الخدمات الرقمية الأمريكية لتسيير اقتصادها، تجد نفسها في الوقت ذاته رهينة للصين التي تسيطر على صناعة تشغيل المعادن الأساسية، وهي عصب الصناعات التكنولوجية الفائقة التي تستثمر فيها أوروبا بكثافة.

صراع العمالقة.. وضحية غير متوقعة

يوضح جلينيا، وهو عميد معهد العلوم الإنسانية في فيينا، أن الحروب التكنولوجية ليست جديدة، فالعالم شهد تنافسًا مريرًا بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي في مجالات الفضاء والتسليح خلال الحرب الباردة. لكن المفارقة اليوم أن التنافس المحموم بين الولايات المتحدة والصين يضع أوروبا في خانة الخاسر الأكبر، كضحية جانبية لصراع لم تختر أن تكون طرفًا فيه.

هذا الصراع لم يعد يقتصر على النفوذ التجاري، بل امتد ليشمل السيطرة على مستقبل الصناعات الرئيسية التي ستشكل موازين القوى الاقتصادية والعسكرية للعقود الثلاثة المقبلة. وتشمل هذه الصناعات مجالات حيوية مثل الذكاء الاصطناعي، تكنولوجيا الصواريخ، الحوسبة الكمومية، الروبوتات، والطائرات المسيّرة.

هيمنة صينية وسلاح أمريكي

على مدار الثلاثين عامًا الماضية، نجحت الصين في ترسيخ مكانتها كقائد عالمي في معالجة وتشغيل معظم المعادن التي تعتبرها هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية حيوية لأمنها القومي وصناعاتها، بما في ذلك القطاع الدفاعي. وبفضل قدرتها على تشغيل هذه المعادن بتكلفة تقل بنسبة 30% عن منافسيها، اكتسبت بكين ورقة ضغط استراتيجية، وهو ما تجلى في القيود الأخيرة التي فرضتها على صادرات المعادن النادرة ومنتجاتها.

في المقابل، تستخدم واشنطن نفوذها في قطاع التكنولوجيا المتقدمة كسلاح مضاد، حيث تعمل على تحجيم وصول الصين إلى أقوى الرقائق الإلكترونية والمعالجات الدقيقة، رغم أن غالبية هذه الرقائق تُنتج في تايوان بواسطة شركة “تي إس إم سي”. هذا الشد والجذب بين القوتين يترك الصناعات الأوروبية في حالة من عدم اليقين، معتمدة على أطراف خارجية في أهم مكونات إنتاجها.

الطموحات الخضراء في مواجهة الواقع

تكمن المفارقة الأكبر، كما يشير خبراء أكاديميون التقوا مؤخرًا في فيينا، في أن طموحات أوروبا الخضراء تصطدم بهذا الواقع. فالقارة التي تضع تكنولوجيات الطاقة المتجددة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، في صميم هويتها المستقبلية، وتزيد حصتها تدريجيًا في سوق السيارات الكهربائية، تجد أن الصين تهيمن على هذه الصناعات الثلاث وسلاسل توريدها، بما في ذلك إنتاج بطاريات الليثيوم.

وبينما تتحرك الولايات المتحدة لإعادة بناء صناعتها في مجال المعادن النادرة وتستخدم نفوذها لتأمين مصادر أخرى من أمريكا الجنوبية، يبدو الاتحاد الأوروبي متأخرًا في هذا السباق. فعلى الرغم من وجود استراتيجية أوروبية للخامات الأولية الحيوية، فإن أي محاولة لاستغلال الموارد التعدينية داخل القارة تواجه مقاومة شرسة من جماعات حماية البيئة، مما يفاقم من أزمة الاعتماد على الخارج.

ويختتم جلينيا تحليله بتحذير واضح: إن استثمارات الاتحاد الأوروبي في الصناعات التكنولوجية الفائقة تبدو “مثيرة للضحك” مقارنة بالتريليونات التي تضخها واشنطن وبكين. وإذا لم تتحرك بروكسل لحشد دولها الأعضاء بشكل عاجل وفعال، فإن أوروبا ستتحول إلى تابع دائم لأحد القطبين، أو لكليهما، في النظام العالمي الجديد الذي يتشكل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *