اقتصاد

تصريحات ترامب النووية: هل تعود واشنطن لعصر التجارب التفجيرية؟

بأمر من ترامب.. أمريكا على أعتاب سباق تسلح نووي جديد يهدد العالم

صحفي اقتصادي في منصة النيل نيوز، متخصص في متابعة أسواق المال والتقارير الاقتصادية المحلية والعالمية

في خطوة قد تعيد تشكيل موازين القوى العالمية، أعلن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عن توجيهاته لوزارة الدفاع بالاستعداد لإجراء تجارب الأسلحة النووية، مبررًا ذلك بضرورة مجاراة القدرات التي تطورها كل من روسيا والصين. هذا الإعلان يفتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول ما إذا كانت واشنطن في طريقها لإنهاء ثلاثة عقود من التوقف عن التفجيرات النووية.

الغموض يكتنف طبيعة هذه التعليمات، فلا يُعرف ما إذا كان ترامب يقصد استئناف التفجيرات الحية للرؤوس الحربية، وهو ما يمثل انقلابًا جذريًا على السياسة الأمريكية وانتهاكًا لحظر عالمي شبه رسمي، أم أنه يقتصر على توسيع اختبارات منظومات الإيصال، مثل الصواريخ الباليستية، وهو إجراء قائم بالفعل لكن بوتيرة أقل.

فكرة قديمة في دائرة ترامب

لم تكن فكرة العودة إلى التجارب النووية وليدة اللحظة في دوائر ترامب. فخلال ولايته الأولى، نوقشت هذه الخطوة بين كبار المسؤولين. كما دعا روبرت أوبراين، مستشار الأمن القومي السابق، صراحةً إلى استئناف الاختبارات الحية للحفاظ على ما وصفه بـ “التفوق التقني والعددي” على الترسانات الروسية والصينية مجتمعة.

يأتي توجيه ترامب كرد فعل معلن على برامج اختبار روسية حديثة، شملت صاروخ كروز وطوربيدًا مسيّرًا، كلاهما يعمل بالطاقة الذرية وقادر على حمل رؤوس نووية. ورغم أن هذه الاختبارات الروسية لم تتضمن أي تفجير نووي، إلا أنها كانت كافية لتكون ذريعة لواشنطن لإعادة تقييم موقفها.

تاريخ من الصمت النووي

أوقفت الولايات المتحدة تجاربها التفجيرية منذ عام 1992 بأمر من الرئيس جورج بوش الأب، واعتمدت منذ ذلك الحين على المحاكاة الحاسوبية المتقدمة والتجارب “دون الحرجة” التي لا تصل إلى مرحلة الانفجار. وتتبعها في ذلك روسيا التي أجرت آخر تجربة عام 1990، والصين عام 1996، حيث تلتزم الدول الثلاث فعليًا ببنود معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية رغم عدم تصديقها عليها.

هذا الالتزام الضمني خلق حالة من الاستقرار النسبي، لم تكسرها سوى كوريا الشمالية التي أجرت آخر تجاربها عام 2017. إن أي خطوة أمريكية لاستئناف التفجيرات لن تكون مجرد قرار تقني، بل هي إشارة سياسية ستفكك عقودًا من جهود عدم الانتشار النووي، وتطلق سباق تسلح لا يمكن التنبؤ بعواقبه.

من المستفيد الحقيقي؟

تؤكد تقييمات المختبرات النووية الوطنية الأمريكية أن الترسانة الحالية آمنة وفعالة دون الحاجة لتجارب تفجيرية جديدة. فالبيانات التي جمعتها واشنطن وموسكو من نحو 2000 تجربة سابقة توفر قاعدة معلومات هائلة. وبالتالي، فإن استئناف تجارب الأسلحة النووية لن يضيف الكثير للقدرات الأمريكية بقدر ما سيمنح الصين، التي تمتلك بيانات أقل، فرصة ذهبية لتطوير ترسانتها بوتيرة أسرع.

هذا التحرك يأتي في توقيت حرج، مع اقتراب انتهاء صلاحية معاهدة “ستارت” الجديدة للحد من الأسلحة الاستراتيجية مع روسيا في فبراير المقبل. ومع امتلاك روسيا أكبر مخزون نووي، يليه المخزون الأمريكي، وتوسع الصين السريع، فإن أي قرار غير محسوب قد يدفع المنطقة والعالم نحو حافة مواجهة جديدة.

مخاطر بيئية وسباق لا ينتهي

لا يمكن تجاهل الإرث الكارثي للتجارب النووية السابقة، سواء الجوية التي لوثت مناطق شاسعة بالغبار المشع، أو تحت الأرض التي حملت مخاطر تلوث التربة والمياه الجوفية. إن العودة لهذا المسار تعني تجاهلًا تامًا للدروس البيئية والصحية القاسية التي تعلمها العالم على مدى عقود.

يبدو أن المنطق السائد هو الدخول في حلقة مفرغة من سباق التسلح. فبينما تطور روسيا أسلحة مثل صاروخ “بوريفيستنيك” النووي، ترد الولايات المتحدة بتطوير أنظمة دفاعية مثل “القبة الذهبية”. إنها دورة مكلفة من الفعل ورد الفعل، تنتهي بالجميع في نفس المربع الذي بدأوا منه، ولكن بعد إنفاق مليارات الدولارات وزيادة منسوب الخطر العالمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *