تراث السينما المصرية المهدور: وثائق تباع ومقتنيات تختفي ومتحف لم ير النور
تحقيق يكشف عن إهدار ممنهج لتاريخ السينما المصرية ومصير مجهول لملايين الجنيهات

تتصاعد التساؤلات مجددًا حول مصير التراث السينمائي المصري، خاصة بعد الكشف عن بيع مقتنيات وعقود توزيع أفلام تاريخية تابعة لشركة “منتخبات بهنا” عبر مواقع تجارية بأسعار زهيدة. هذه المبيعات تثير شكوكًا حول مدى تقدير قيمة هذا الإرث الثقافي أو ربما وفرته المفرطة لدى البائع. كما تتجدد الاستفسارات بشأن المتحف السينمائي الذي صدرت توجيهات عليا بإنشائه، والذي كان من المنتظر أن يرى النور عقب استلام وزارة الثقافة لمحتويات مقري الشركة التراثية. هذه الوقائع مجتمعة تشير إلى سلسلة من الإهدار الذي يطال التراث السينمائي، وتستدعي تدخل الجهات الرقابية.
في سياق متصل، أصدرت وزيرة الثقافة السابقة، الدكتورة إيناس عبد الدايم، القرار رقم 442 بإنشاء سجل تراث السينما المصرية القومي العالمي كثمرة للاتفاق على استلام تراث شركة “منتخبات بهنا”، وبعد مراجعة محضر اللجنة المشكلة بالقرار رقم 419 لسنة 2018. كانت مهمة هذه اللجنة تتمثل في دراسة وفحص سبل استرداد التراث السينمائي المنهوب، وإعادة حقوق الأداء العلني والملكية الفكرية للأعمال التي آلت للملك العام (الأفلام التي لا ورثة لها وأصبحت ملكًا للدولة). رغم فحص اللجنة لما كان مملوكًا للدولة حينها، إلا أن شائعات انتشرت بأن مصر لم تعد تمتلك سوى القليل من هذا التراث.
نص القرار 442 على إدراج كل ما يُعرف بتراث مصر السينمائي، ويشمل ذلك ما أُنتج أو أُذيع أو نُشر محتواه، وما أُدي تمثيليًا، أو المشاهد التي سُجلت وصُورت بأي من معدات التصوير المدرجة ضمن خريطة التسجيل السينمائي والفوتوغرافي المعدل للأعمال التسجيلية وأعمال التصوير الفوتوغرافي للأفلام. كما يشمل القرار كافة المقتنيات السينمائية بأنواعها المختلفة، التي تجسد مراحل تطور الفن السينمائي في مصر منذ عام 1896، وكل ما مر على تاريخ إنتاجه خمسون عامًا ميلاديًا. ويتم الإدراج عبر قبول التنازل لصالح المركز، أو بالتعاقد، أو من خلال أيلولة الملك العام للدولة من الأشخاص والكيانات وورثة منتجي الأعمال السينمائية.
كما منح القرار المركز الحق في توثيق المحتوى وتسجيله باسمه، مع الحفاظ على الحقوق الأدبية لأصحاب التراث. ويشمل ذلك حق المركز في استغلال هذا التراث للصالح العام وللأغراض الثقافية، ووضعه في مكان يتيح للجمهور والدارسين والمهتمين بالسينما في مصر والعالم الاطلاع عليه، مع اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لحماية معالمه.
اختفاء مقتنيات:
يبدو أن القرار شمل مواد ومعدات قيمة، من بينها مقتنيات ثمينة ظهرت في فيديو سابق تحدث فيه بازيل بهنا من داخل مقر الشركة بالإسكندرية. تضمن الفيديو آلة كاتبة نادرة، ونيجاتيف أفلام، ومعدات تصوير، بالإضافة إلى أكثر من 3000 صورة فوتوغرافية توثق مراحل التصوير والإنتاج والمونتاج. ويؤكد شهود عيان أن مقرات الشركة كانت تضم أيضًا ثلاجة تعد من أوائل الثلاجات المنتجة عالميًا وتعمل بالغاز، إلى جانب إكسسوارات أفلام قديمة، وحلي ثمينة ونادرة، وسبائك ذهبية.
تطرح هذه الوقائع تساؤلات ملحة حول مصير هذا التراث. ترددت أنباء بأن عملية الجرد، التي سبقت التسلم، تمت بواسطة لجنة مكونة من شخصين فقط لم يقوما بالتوثيق الفوتوغرافي، وذلك مقابل وعد بتسليم مقري الشركة في القاهرة لبازيل بهنا. يثير الأمر استغرابًا حول التزام وزارة الثقافة بإتمام اتفاق تسليم المقرين مع وزارة التضامن، في حين كان من المفترض أن يقتصر دورها على استلام المقتنيات، تاركة لوزارة التضامن معالجة تنفيذ الأحكام القضائية التي حصل عليها “بهنا”. كما بدا غريبًا ترويج بعض وسائل النشر لبازيل بهنا باعتباره الوريث الوحيد المتبقي.
ومع ذلك، لا تزال عملية تسلم المقتنيات محاطة بالعديد من التساؤلات. تشير الوثائق المتوفرة إلى أنه كان من المقرر إجراء عملية جرد شاملة. لذا، نطالب وزارة الثقافة بالكشف عن قوائم الجرد، إن وجدت، ومطابقتها بالوثائق والمقتنيات الموجودة لديها، وكذلك بما كان بحوزة الدولة منذ وضع الشركة تحت الحراسة، وبما طالب به بازيل بهنا وفقًا لكشوفه الخاصة. هذه المطابقة وحدها من شأنها أن تحسم الجدل الدائر حول هذه العملية، خاصة بعد فضيحة ظهور وثائق تباع علنًا.
الجريمة الكاملة:
في أعقاب القرار رقم 442، أصدرت وزيرة الثقافة آنذاك، الدكتورة إيناس عبد الدايم، قرارًا بإدراج 207 أفلام فقط في سجل التراث القومي للسينما، وذلك عبر المركز القومي للسينما.
هذا العدد، 207 أفلام، يمثل جزءًا ضئيلًا من آلاف الأفلام التي أنتجتها الدولة والقطاع الخاص، والتي حُفظت في “ثلاجة السينما”، وهي الآلية الوحيدة في مصر لحفظ نيجاتيف وبوزيتيف الأفلام والمستندات الورقية مثل السيناريوهات. وفقًا للمعلومات المتوفرة، شُكلت لجنة في 14 سبتمبر 2020، بموجب القرار رقم (1) لسنة 2020 الصادر عن رئيس قطاع مكتب وزير الثقافة، لفحص وجرد الثلاجة. توصلت اللجنة إلى النتائج التالية:
أولاً، لم يُجرَ أي جرد لمخزن شركة السينما – ثلاجة السينما – منذ عام 2008. ثانيًا، هناك فقدان للأفلام وعدم وجود مستندات منذ تاريخ الجرد في الأول من سبتمبر 1993. ثالثًا، اختفت 4215 علبة فيلم تحتوي على الأفلام الملحقة، حسب محضر أعمال اللجنة. رابعًا، وُجدت مستندات مملوكة لشركة السينما تتعلق بإيجارات أفلام لشركات مصرية وأجنبية، دون عودة الأفلام أو تحصيل أي مبالغ عن مدة الإيجار. وعند سؤال المختصين، أفادوا بأن الشركات المؤجرة قامت بترميم هذه الأفلام على حساب شركة السينما التابعة لوزارة الثقافة، ووافق المشرف على نشاط السينما – مستشار وزير الثقافة للسينما آنذاك – على منحهم حقوق البث وكافة الحقوق بعد الترميم. ومن بين هذه الشركات المؤجرة، شركتان شهيرتان كان يعمل بإحداهما مسؤول كبير قبل توليه مناصب متعددة بوزارة الثقافة. هذه الوقائع تشير إلى فقدان أصول لا تقدر بثمن، بالإضافة إلى إهدار حقوق الخزانة العامة للدولة منذ عام 2012 في تحصيل مقابل الأداء العلني لما تملكه الحكومة المصرية.
أسئلة مشروعة:
تطرح هذه الأحداث تساؤلات مشروعة: هل كان مجرد صدفة نقل مستندات ورقية من الرقابة على المصنفات الفنية إلى مخزن مجاور للبلاتوه الذي احترق في استوديو الأهرام، وذلك قبل نحو ثمانية أشهر من اندلاع الحريق؟ هذه المستندات تمثل ذاكرة الرقابة على المصنفات، وقد بُرر النقل بإجراء تجديدات وترميمات لمقر الرقابة في شارع قصر العيني.
كما يبرز تساؤل آخر: كيف جرى تخصيص قاعة ثروت عكاشة بمدينة السينما لتكون مقرًا لمشروع متحف السينما وحفظ الأرشيف، وجرى تجهيزها بميزانية بلغت 6 ملايين جنيه، ثم قامت وزيرة الثقافة الحالية، الدكتورة نيفين الكيلاني، بتغيير تخصيص القاعة لتصبح مكانًا لورش العمل في أكاديمية الفنون؟
وكيف أُعلن عن مشروع المتحف، ليؤول الأمر في النهاية إلى وضع مقتنيات قليلة من تراث “بهنا” داخل مخزن؟
ويُطرح تساؤل بشأن توقيت فتح مقرات “بهنا” الخاصة؛ هل تم ذلك بحضور اللجنة أم قبل وصولها؟ وعلى الرغم من اعتبار بازيل بهنا المالك الوحيد، رغم وجود ورثة آخرين، قدم الدكتور خالد عبد الجليل، الذي تفاوض معه، مذكرة لوزيرة الثقافة. ذكر فيها أن بازيل تنصل مرارًا من وعوده بشأن إرسال فريق عمل من المركز لحصر الوثائق. وأوضح أنه بعد الاستجابة لجميع مطالبه، أرسل بازيل صيغة اتفاق تربط بين تسليم مقر القاهرة وبدء العمل في مقر الإسكندرية. وأضاف عبد الجليل أنه توصل معه إلى اتفاق مبدئي بعدم وجود ارتباط شرطي بين تسليم بنك ناصر لمقري القاهرة وفحص مخزن الإسكندرية، لكن بازيل تراجع لاحقًا، مشيرًا في “الأمس 4/3/2019” إلى أن بنك ناصر وعد محاميه بتسليم مقري القاهرة خلال شهر، وأنه بمجرد حدوث ذلك، لن يكون لديه مانع من بدء العمل.
ما ذكره بازيل بهنا في تلك المذكرة كان مخالفًا للواقع التفاوضي تمامًا. فقد ادعى أنه بعد تسلمه مقر القاهرة، سيكون في وضع تفاوضي قانوني أقوى، معتبرًا أن بدء تنفيذ بنود الاتفاق دون تسليم المقرين يجعله مجرد “جامع مقتنيات” بوضع قانوني ضعيف وهش أمام الدولة. هذا التصريح يتناقض مع حقيقة أنه كان يتفاوض فعليًا بصفته مالكًا.
يطرح هذا التساؤل: هل عُرض هذا الكلام على مستشار قانوني لمناقشته مع بهنا وتفنيده؟ أم أن غياب الاستشارة القانونية يضاف إلى قائمة الخسائر، التي تشمل 6 ملايين جنيه لمتحف لم ير النور، ومقتنيات أصبح وجودها محل شكوك، وتراث كامل أُهدر بعد فحص “ثلاجة السينما” التي لم يُحاسب أحد على فقدان محتوياتها؟
