تحالف ترامب ونتنياهو: قصة صداقة براغماتية تهزها رياح السياسة وخفايا حرب غزة

في كواليس السياسة الدولية، لا شيء يضاهي دراما العلاقات الشخصية بين القادة، ويبدو أن العلاقة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هي خير مثال على ذلك. فبعد إعلان اتفاقهما الأخير على خطة سلام من 20 نقطة لغزة، عاد التحالف الوثيق إلى الواجهة، لكن هذه المرة بملامح مختلفة تخفي تحتها ندوب الماضي وتوترات الحاضر.
بين وصف ترامب لنتنياهو بـ”المحارب”، ورد الأخير بوصف الرئيس الأمريكي بأنه “أعظم صديق حظيت به إسرائيل في البيت الأبيض”، تكمن قصة طويلة من الصعود والهبوط. علاقة بدت في بدايتها كصداقة لا تتزعزع، لكنها كشفت مع مرور الوقت عن وجهها الحقيقي كتحالف براغماتي تحركه المصالح السياسية الآنية لكل طرف.
سنوات العسل: حين كانت المصالح ترسم ملامح التحالف
شهدت ولاية ترامب الأولى (2017-2020) العصر الذهبي في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، حيث قدم ترامب لنتنياهو سلسلة من الهدايا السياسية التي استغلها الأخير ببراعة لتعزيز مكانته في الداخل الإسرائيلي. لم يكن الأمر مجرد دعم، بل كان تبادلاً واضحاً للمنافع؛ فكل قرار أمريكي كان يترجم إلى مكسب سياسي مباشر لنتنياهو، الذي بدوره كان يصور ترامب كحليف تاريخي لا مثيل له.
هذه الفترة كانت حافلة بقرارات غيرت وجه المنطقة، وبدت وكأنها انتصارات شخصية للزعيمين:
- ديسمبر 2017: إعلان ترامب التاريخي بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، خطوة أشعلت احتجاجات واسعة لكنها كانت بمثابة تتويج لنتنياهو.
- مايو 2018: الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، قرار هلل له نتنياهو واعتبره تصحيحاً لمسار خطير، ثم تلاه نقل السفارة الأمريكية إلى القدس في “يوم مجيد” لإسرائيل، وإن كان دامياً للفلسطينيين.
- مارس 2019: توقيع ترامب على الاعتراف بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان، مما دفع نتنياهو للتصريح بأنه “لم يكن لإسرائيل صديقٌ أفضل في البيت الأبيض”.
- سبتمبر 2020: رعاية اتفاقيات أبراهام التي طبعت العلاقات بين إسرائيل والإمارات والبحرين، ثم المغرب والسودان، والتي اعتبرها نتنياهو “يوماً مفصلياً في التاريخ”.
شرخ في جدار الصداقة: تهنئة بايدن التي لم تُغتفر
لكل قصة جميلة نهاية، ويبدو أن نهاية شهر العسل بين الرجلين جاءت مع فوز جو بايدن في الانتخابات الأمريكية عام 2020. ففي خطوة أثارت غضب ترامب الذي كان لا يزال يرفض الاعتراف بالهزيمة، سارع بنيامين نتنياهو لتهنئة الرئيس المنتخب، وهو ما اعتبره ترامب خيانة شخصية.
لم ينسَ ترامب هذا “الخطأ الفادح”، ففي مقابلات لاحقة مع الصحفي الإسرائيلي باراك رافيد، كال السباب لنتنياهو قائلاً إنه “لم يرغب قط بالسلام”، وأنهى حديثه بعبارة قاطعة: “لم أتحدث إليه منذ ذلك الحين”. كان هذا الشرخ هو الأعمق في تاريخ علاقتهما، وكشف عن هشاشة الصداقة المعلنة أمام أول اختبار حقيقي.
عودة حذرة: مصالح حرب غزة تجمع الخصمين من جديد
مع عودة ترامب المفاجئة إلى البيت الأبيض في 2025، وجد نتنياهو نفسه مضطراً لإصلاح ما أفسدته السياسة. كان أول زعيم يزور واشنطن، وتكررت زياراته ثلاث مرات أخرى، في محاولة لإعادة الدفء إلى علاقة تجمدت. اليوم، يؤكد الزعيمان أنهما يعملان عن كثب على ملف حرب غزة، لكن الخبراء يرون أن العلاقة أصبحت أكثر واقعية وأقل عاطفية.
يشير هوغو لوفات، الخبير في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إلى انقسام داخل قاعدة ترامب نفسها حول إسرائيل، بين مشككين مثل تاكر كارلسون ومؤيدين متشددين. هذا الانقسام يضع ضغوطاً جديدة على ترامب، ويجعل دعمه لإسرائيل أقل تلقائية مما كان عليه في السابق.
ورغم الحديث عن خطة سلام غزة والجهود المشتركة، فإن التوترات الكامنة لا تزال موجودة. فبحسب الدكتور هـ. أ. هيلير، فإن الاستياء من نتنياهو يسود حتى داخل الإدارة الأمريكية. ورغم أن إسرائيل واصلت حربها وخرقت وقف إطلاق النار وهاجمت حليفاً أمريكياً كقطر دون عواقب، فإن أصواتاً مؤثرة في حركة ترامب (MAGA) بدأت تنتقد الحملة العسكرية، مما ينذر بتحديات مستقبلية لهذا التحالف.









