اقتصاد

تايوان: رهان على الغموض الأمريكي

ترمب يعيد خلط أوراق تايوان: هل يتغير المشهد؟

محررة اقتصادية في منصة النيل نيوز، متخصصة في رصد المؤشرات الاقتصادية وصياغتها بلغة واضحة للجمهور

لطالما كانت تايوان، تلك الجزيرة الديمقراطية الغنية بموقعها الاستراتيجي، نقطة توتر محورية بين واشنطن وبكين. فبينما دعمت الولايات المتحدة تسليح تايبيه، وأكد الرئيس السابق جو بايدن استعداد بلاده للدفاع عنها في حال الغزو، كثفت الصين من مناوراتها العسكرية، معتبرة الجزيرة جزءًا لا يتجزأ من أراضيها. وفي خضم هذا المشهد المعقد، يبرز موقف ترمب من تايوان كعنصر جديد يثير القلق والتساؤلات.

في عهد الرئيس دونالد ترمب، الذي اشتهر بنهجه “الصفقاتي” في السياسة الخارجية، بدا دعم واشنطن لتايوان أقل ضمانًا. ففي فبراير الماضي، رفض ترمب الإفصاح عما إذا كانت سياسة الولايات المتحدة ستمنع الصين من الاستيلاء على الجزيرة بالقوة، وهو ما أثار حيرة الحلفاء. لكنه عاد مؤخرًا ليصرح بأن الرئيس الصيني شي جين بينغ “يفهم ما سيحدث” إذا حاول جيش التحرير الشعبي الغزو، تعليق قد يكون قد خفف بعض التوتر في تايبيه، وإن لم يزل الغموض تمامًا.

أهمية تايوان

موقع استراتيجي

تاريخيًا، تنافست الإمبراطوريات على تايوان لقرون، من إسبانيا وهولندا إلى سلالة تشينغ الصينية. وبعد هزيمة الصين عام 1895 وتسليم تايوان لليابان، أصبحت “إعادة التوحيد” صرخة تحشيد لأجيال صينية متعاقبة، بمن فيهم الرئيس شي. يرى الحزب الشيوعي الصيني أن السيطرة على الجزيرة ضرورية لتحقيق هدفه بإنهاء قرن من “إذلال” القوى الاستعمارية، وهو ما يفسر إصراره على تأكيد السيادة في مناطق أخرى كبحر الصين الجنوبي وهونغ كونغ.

بالنسبة للولايات المتحدة واليابان، تمثل تايوان معقلًا حيويًا في سلسلة أرخبيلات تستخدم لاحتواء الصين وحماية طرق التجارة العالمية. لقد ازدهرت تايوان تحت الحماية الأمريكية لتصبح موردًا أساسيًا لأشباه الموصلات والسلع عالية التقنية، وهو ما يجعلها لاعبًا اقتصاديًا لا يمكن الاستهانة به. كما أنها، بسكانها البالغ عددهم 23.5 مليون نسمة، تُعد من أكثر الديمقراطيات حيوية في آسيا، مقدمة بذلك ردًا عمليًا على حجج الحزب الشيوعي بأن الهياكل السياسية الغربية لا تتوافق مع الثقافة الصينية.

جذور النزاع

سياسة الصين الواحدة

يعود النزاع إلى عام 1949، عندما تراجع تشيانغ كاي شيك، زعيم الحزب القومي، إلى تايوان بعد هزيمته أمام الشيوعيين بقيادة ماو تسي تونغ في الحرب الأهلية الصينية. دعمت الولايات المتحدة تشيانغ كزعيم شرعي للصين حتى سبعينيات القرن الماضي، حين سعى الرئيس ريتشارد نيكسون لإقامة علاقات مع بكين. كانت النتيجة “سياسة الصين الواحدة“، حيث اعترفت واشنطن بجمهورية الصين الشعبية كـ”الحكومة الشرعية الوحيدة للصين”، دون تحديد موقفها من سيادة تايوان.

وافقت الصين على التسامح مع العلاقات الأمريكية غير الرسمية مع تايبيه، بما في ذلك مبيعات الأسلحة بشروط معينة، لكنها أكدت حقها في الاستيلاء على تايوان بالقوة لمنع استقلالها الرسمي. تشير استطلاعات الرأي إلى تزايد نسبة التايوانيين المؤيدين للاستقلال، وهو أمر يُرجح أن يثير تحركًا عسكريًا صينيًا. ففي يونيو 2025، أيد حوالي ربع السكان الاستقلال الفوري أو النهائي، بينما فضل أقل من 7% التوحيد مع الصين، ما يعكس تحولًا جذريًا في الهوية التايوانية.

تصاعد التوترات

قيادة تايوان الجديدة

بعد عقود من العداء ثم المشاركة الحذرة، قلبت انتخابات عام 2016 في تايوان، التي أتت بالرئيسة تساي إنغ ون، جهود بكين لتعميق العلاقات الاقتصادية والاجتماعية رأسًا على عقب. رفض حزب تساي التقدمي الديمقراطي فكرة أن تايوان جزء من الصين، وسعى لتعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة لتقليل الاعتماد على البر الرئيسي. ردت بكين بقطع الاتصالات، والحد من السفر، واستقطاب الدول التي كانت تدعم تايوان دبلوماسيًا، والضغط على الشركات متعددة الجنسيات لعدم معاملة تايوان كدولة مستقلة.

في مايو 2024، خلف تساي نائبها لاي تشينغ تي، الذي وصف نفسه ذات مرة بأنه “عامل سياسي” من أجل استقلال تايوان، وإن كان قد خفف من هذا الموقف لاحقًا. تعهد لاي بمواصلة العمل مع الولايات المتحدة والديمقراطيات الأخرى للحفاظ على الوضع الراهن، ومواجهة التحديات الصينية. أدى عدم ثقة بكين العميق في لاي إلى ضغوط غير مسبوقة، حيث أجرت الصين ثلاثة تدريبات عسكرية واسعة النطاق حول الجزيرة خلال السنة الأولى من ولايته، وهو رقم قياسي، كما تضاعف متوسط عدد التوغلات العسكرية عبر الخط الأوسط لمضيق تايوان.

مضيق تايوان

في منتصف أكتوبر 2024، سجلت تايوان رقمًا قياسيًا بتحليق 111 طائرة صينية حربية عبر الحدود الفعلية في المضيق، تزامنًا مع تدريبات بكين العسكرية. أكد مسؤولون صينيون لنظرائهم الأمريكيين أن مضيق تايوان لا ينتمي إلى “المياه الدولية”، ما أثار مخاوف من أن بكين قد تصبح أكثر حزمًا في ردع البحرية الأمريكية عن الإبحار في الممر المائي. كما فرضت الصين عقوبات على مسؤولين أمريكيين وشركات دفاع لها علاقات بتايوان، في رسالة واضحة لا تخلو من التهديد.

تحول أمريكي

سياسة ترمب

خلال ولايته الأولى، أشرف ترمب على توسع كبير في العلاقات مع تايبيه، شمل صفقات أسلحة بمليارات الدولارات وبيع طائرات مقاتلة لأول مرة منذ ثلاثة عقود. كما وقع تشريعًا يسمح لمسؤولين أمريكيين رفيعي المستوى بزيارة الجزيرة. حافظت إدارة بايدن اللاحقة على هذا التحول، بل وصرح بايدن مرارًا بأن الولايات المتحدة ستدافع عن تايوان في حالة الغزو، وهو خروج كبير عن سياسة “الغموض الاستراتيجي” الأمريكية التقليدية التي كانت تهدف لردع الصين.

لكن موقف ترمب من تايوان في ولايته الثانية المحتملة يثير شكوكًا جديدة. ففي 27 فبراير، رفض الإجابة عما إذا كانت إدارته ستمنع الصين من السيطرة على تايوان بالقوة، وخلال حملته الانتخابية، طرح أن تايوان “يجب أن تدفع لنا مقابل الدفاع”. هذا التذبذب، بحسب محللين، يضع تايبيه في موقف صعب، فهي لا تدري تمامًا إلى أي مدى يمكنها الاعتماد على الدعم الأمريكي في ظل إدارة ترمب.

ضغوط اقتصادية

في يوليو، زادت الشكوك حول قوة العلاقات التايوانية الأمريكية عندما بدا أن الرئيس لاي ألغى زيارة خارجية بعد رفض إدارة ترمب الموافقة على طلبه بالتوقف في نيويورك. كما كان إعلان ترمب عن رسوم متبادلة بنسبة 20% على واردات الولايات المتحدة من السلع التايوانية بمثابة ضربة أخرى للجزيرة وقيادتها، خاصة وأن المنافسين الإقليميين مثل اليابان وكوريا الجنوبية حصلوا على معدل أقل. هذا يظهر أن ترمب قد يستخدم الورقة الاقتصادية للضغط على حلفائه أيضًا.

في سبتمبر، ذكرت صحيفة “واشنطن بوست” أن ترمب رفض الموافقة على حزمة مساعدات عسكرية لتايوان بقيمة تزيد عن 400 مليون دولار في سعيه للتوصل إلى اتفاق تجاري مع بكين. هذا أضاف إلى المخاوف في تايوان وبين مؤيديها في الولايات المتحدة من أن إدارة ترمب قد تكون مستعدة للتضحية بمصالح الجزيرة من أجل السعي إلى مشاركة أوثق مع الصين. في الشهر نفسه، طلبت بكين من إدارة ترمب “معارضة” استقلال تايوان رسميًا، في محاولة لاستغلال هذه اللحظة، وهو طلب أقوى من بيان الإدارة السابقة بأن المسؤولين الأمريكيين “لا يدعمون” استقلال الجزيرة.

خلاصة وتحليل

مستقبل غامض

لم يعلن ترمب عن أي قرار بشأن مثل هذا التنازل، مما سيمثل انتصارًا دبلوماسيًا كبيرًا لبكين ويساعد حملتها لعزل تايوان على الساحة العالمية. بعد هدنة تجارية مع الولايات المتحدة، دعت الصين في أوائل نوفمبر الولايات المتحدة إلى تجنب ما أسمته الخطوط الحمراء الأربعة لبكين، ومنها تايوان. لكن ترمب أبقى العالم في حيرة بشأن موقفه، ففي مقابلة مع برنامج “60 دقيقة” في 2 نوفمبر، قال إن شي “يفهم ما سيحدث” إذا حاول غزو تايوان، مضيفًا أن شي أخبره بأنهم لن يتحركوا ضد تايوان أبدًا أثناء رئاسته “لأنهم يدركون العواقب”.

هذا التناقض في التصريحات يترك موقف ترمب من تايوان محاطًا بالغموض، ما يضع تايبيه في موقف لا تحسد عليه، بين مطرقة التهديدات الصينية وسندان السياسة الأمريكية المتقلبة. لا شك أن هذا المشهد المعقد يتطلب من تايوان وحلفائها يقظة مستمرة، فمستقبل الجزيرة، ومعه استقرار منطقة المحيطين الهندي والهادئ، يعتمد بشكل كبير على التوازنات الدقيقة لهذه العلاقات المتشابكة، وعلى ما ستكشفه الأيام القادمة من نوايا حقيقية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *